السيرة الذاتية المختصرة للدكتور ناظم القدسي

المقدمة
النشأة والدراسة
 النضال ضد الانتداب
 النيابة والعمل السياسي والدبلوماسي
 الاستقلال والمناصب الحكومية
 الوحدة الفورية الاندماجية مع مصر
الرئاسة
 المنفى الاختياري

المقدمة

في العام 1974 أقنع الدكتور قسطنطين زريق، نائب رئيس الجامعة الأميركية في بيروت، صديقه الرئيس الدكتور ناظم القدسي بالبدء بتسجيل ذكرياته، وأوفد إليه موظفين في مكتبة الجامعة ليشرفوا على التسجيل الصوتي. وبالفعل، سجل ثلاثة شرائط موجودة حالياً في مكتبة الجامعة، غير أن التسجيل توقف مع اندلاع الحرب اللبنانية عام 1975.

بعدها، في العاصمة الأردنية عمّان، وبناء على إلحاح شديد من إبنه فائز وزوجة الرئيس، تابع الرئيس القدسي تسجيل ذكرياته عام 1990 بإشراف عدة أشخاص كانوا يحاوروه. ثم، عام 1993 طلب من النائب والوزير الأسبق أحمد قنبر، صديقه وزميله في حزب الشعب، المقيم في حلب، زيارته في عمّان ليتذاكرا ببعض الأمور التي جرت معهما خلال عقدي الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي. وحقاً، فإن الأسئلة التي وجهها أحمد قنبر موجودة في هذا الموقع.

إن المصدر الرئيسي لهذه السيرة الذاتية المختصرة هي تسجيلات الرئيس القدسي وبصوته. ولقد فرغ من هذه التسجيلات عام 1994.

النشأة والدراسة

ولد ناظم بن تقي الدين بن بهاء الدين القدسي في السادس والعشرين من شهر شباط عام 1906 في مدينة حلب. وكان أبوه (المتوفي عام 1926) قاضي في محكمة الجنايات، وجده بهاء الدين (المتوفى عام 1892)قاضي ونقيب اشراف وأول رئيس لبلدية حلب، أما والدته فاطمة فهي ابنة عبد القادر الركبي شاهبندر تجار حلب.

دخل ناظم القدسي إلى الحضانة (الخوجة) في عام 1910، وكان عمره يومذاك أربع سنوات. وبعدها إلى مدرسة شمس الترقي، حيث كان أستاذه فيها الشيخ أحمد الزرنجي. ومن ثم انتقل إلى مدرسة الفرنسيسكان وبقي فيها حتى بداية الحرب العالمية الأولى عام 1914 حين أغلقت السلطات العثمانية هذه المدرسة. على الأثر انتقل إلى مدرسة الأرمن الكاثوليك تحت رعاية أستاذه بشير الجهمي. ولكن بعد سنة أغلقت السلطات العثمانية هذه المدرسة أيضاً، فانتقل إلى مدرسة الألمان (الشيباني) التي أُسّست في حلب عام 1880 وبقى فيها حتى انتهاء الحرب عام 1918. في هذه المدرسة كان زميله إسكندر قسيس الذي أصبح طبيباً نسائياً وأشرف على ولادة جميع أولاده.

كان لوالد ناظم القدسي، بصفته أكبر أشقائه، المرجعية في العائلة، وكانت له مضافة (قناق) يأتي إليها كبار شخصيات حلب، أمثال أسعد باشا الجابري ونافع باشا الجابري وعبد الحميد الجابري والحاج مراد الجابري. وللعلم، كان والده على صداقة حميمة مع آل الجابري، واختار اثنين منهم ليكونا شاهدين على زواجه الثاني. أما من خارج حلب، فكان يبيت في المضافة صبحي بك بركات، حين قدومه لحلب، وهو الذي أصبح في ما بعد رئيس الدولة في سورية. 

أرسله والده ليتمرّن في قلم ديوان ولاية حلب إبّان العطلة الصيفية عام 1917، واستفاد من ذلك باطلاعه على التنظيمات الإدارية العثمانية قبيل انتهاء الحرب العالمية الأولى وخروج العثمانيين من بلاد الشام. وكان آخر والي لحلب في تلك الحقبة مصطفى عبد الخالق، الذي كان يوصف بأنه من أفضل الذين تولّوا هذا المنصب.

من جهة أخرى، ونظراً لكون نوري السعيد طالباً خلال أوائل القرن الماضي في المدرسة الحربية باستنبول، حيث كان اللواء أركان حرب ذكي باشا القدسي أستاذاً، فقد عيّن أستاذه قائداً لموقع حلب في "الجيش العربي" بعد دخوله إلى حلب في عام 1919، مع أنه كان قد تقاعد في ذلك الوقت. كذلك عيّن الفريق أركان حرب المتقاعد كامل باشا القدسي حاكماً عسكرياً لحلب.

وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى بانتصار الحلفاء، قرّر والد صاحب الترجمة وأصدقاء والده وأقرباؤه إرسال أولادهم لتلقي التعليم الإعدادي في القسم الإعدادي الداخلي (حالياً الإنترنشونال كولدج) التابع للجامعة الأميركية في بيروت، وكان اسمها في ذلك الوقت الكلية الإنجيلية السورية.

وبالفعل، سافر ناظم القدسي في آواخر عام 1919، برفقة عمه جلال الدين القدسي وإبنه نادر، وكان معهم أيضاً حسن ابن أسعد باشا الجابري ومظفر ابن نافع باشا الجابري، وكذلك الحاج مراد الجابري وابناه شكيب وعبد الله وابن مدير أوقاف حلب أسعد عنتابي. ولقد توجّه الجميع بالقطار إلى بيروت، وكانت تلك المرة الأولى التي يسافر فيها ناظم بالقطار وهو لمّ يتجاوز الثاني عشر من عمره.

كان للسنة الدراسية التي أتمها في هذه الكلية أثر كبير في مسار حياته من حيث طريقة التعليم الغربية وإتقان اللغة الإنجليزية وقواعدها كتابة وقراءة، ناهيك عن اطلاعه على الطريقة الأميركية في معالجة الأمور الحياتية اليومية. وعن الطلاب من خارج حلب، فكان مع ناظم كلٌ من رفيق الجلاّد من دمشق، وقبولي الذوق من طرابلس، وعدد من أفراد عائلة غندور في بيروت. ولقد سجّل هناك في القسم الداخلي، ونظراً لتفوقه الأكاديمي جرى ترفيعه استثنائياً في منتصف العام الدراسي، ما أثار حفيظة زملاءه في الدراسة.

إبان وجود ناظم في بيروت عام 1919، صادف وصول الأمير فيصل ابن الحسين إلى بيروت عائداً من مؤتمر فرساي في ضواحي العاصمة الفرنسية باريس، فشارك في تنظيم طلاب القسم الإعدادي للذهاب إلى مرفأ بيروت، واستقبال الأمير رافعين رايات "الجيش العربي" رغماً عن السلطات الفرنسية، مع الإشارة إلى أن ممثل حكومة سورية في بيروت حينذاك كان المرحوم الشهيد يوسف العظمة. وفي نهاية العام الدراسي كان واضحاً من قرارات "مؤتمر فرساي" أن البلاد السورية ستخضع تحت الانتداب الفرنسي، لذا قرّر والده إعادته إلى حلب حيث انتسب إلى مدرسة الفرنسيسكان، وفيها بقي لمدة ثلاث سنوات لإنهاء دراسته الثانوية وتسلّم شهادته الثانوية عام 1923.

وخلال هذه الفترة كان والده يطلب إليه قراءة الجرائد والمجلات الأجنبية على مسمع الحضور في مضافة آل القدسي، فاستفاد كثيراً من المناقشات التي كانت تدور فيها، وخاصة، أن مرتادي هذه المضافة هم وجهاء المدينة وأعيانها علمياً واقتصادياً واجتماعياً في ذلك الوقت.

أيضاً، خلال وجود صاحب الترجمة في مدرسة الفرنسيسكان تولّدت لديه مشاعر الغضب الوطني ضد وجود الفرنسيين في البلاد، ومن ثم لاحت له ولزملائه جميل وممدوح وأحمد الأميري، ولمجموعة من الطلبة الآخرين فكرة مقاومة الاحتلال الفرنسي. وعند تخرجه، قرّرت إدارة المدرسة أنه لن يكون من الأوائل على صفه وميّزت عليهم طالبا اخر اسمه رينيه ضاهرً، فتحدى ناظم مدير المدرسة لأنه كان يعتقد أنه من ضمن الخمس طلاب الأوائل ويجب أن يحصل أحدهم على الدرجة الأولى. وعندما رفض مدير المدرسة أن يعطيه الشهادة الثانوية، اختار ان يتقدم بشكوى إلى السلطات الفرنسية ما جعل المدير يعدل عن قراره، ويعطيه شهادة التخرّج.

الجدير بالذكر، أنه عندما قسَّمت فرنسا سورية إلى خمس دويلات، وبعد مشاوراتها مع رجالات حلب، فإنها أخذت باقتراحهم وعيّن الفريق أركان حرب المتقاعد في الجيش العثماني كامل باشا القدسي، ابن عم والد ناظم، حاكماً لدولة حلب عام 1921. وهذه أعلى الرتب العسكرية حصل عليها ضابط عربي في الجيش العثماني. ولكن، في هذه الأثناء قبضت السلطات الفرنسية على الزعيم إبراهيم هنانو وحاكمته، فكان ناظم يذهب وهو لا يزال طالباً في الخامسة عشرة من عمره، إلى المحكمة ويحضر محاكمة الزعيم هنانو. وعندما برأت المحكمة الفرنسية هنانو أعجب باستقلال القضاة الفرنسيين، وتركت هذه المحاكمة تأثيراً كبيراً في قراره دراسة المحاماة. وعند خروج الزعيم هنانو من السجن، ذهب لتهنئته وقبَّل يديه، فسأله الزعيم هنانو مَن أنت؟ فأجابه. وعلى الأثر أجلسه على كرسي صغير بجانبه طوال فترة الاستقبال.

تخرج ناظم القدسي من المدرسة وحصل على الشهادة الثانوية حائزاً المرتبة الثانية في التفوق الأكاديمي عام 1923 وهو ما زال لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره. ونظراً للشعور الوطني العارم في حلب، خاصةً بعد تبرئة الزعيم هنانو، اختار البقاء في سورية، ومتابعة دراسته في معهد الحقوق بالجامعة السورية في دمشق. غير أن إدارة الجامعة رفضت قبوله ومعادلة شهادته مع شهادة مدرسة التجهيز الحكومية، وأيضاً تذرّعت بكونه دون سن الثامنة عشرة. فكتب شكوى إلى صبحي بك بركات، رئيس الدولة حينذاك، وكان هذا صديقاً لوالده – وكما سبقت الإشارة – ينزل في مضافته عند زيارته إلى حلب. فبادر رئيس الدولة إلى طلب إجراء امتحان له، وهكذا كان. ونجح ناظم القدسي في إمتحان الدخول وانتسب إلى الجامعة السورية في آواخر عام 1923. وكان من زملائه في الصف الأول بكلية الحقوق يومها سيف الدين المأمون ورئيف الملقي وعادل حتاحت وعمرعباس وأحمد الشهابي ويوسف ياسين، ومن أساتذته فارس الخوري وعبد القادر العظم ومحمد كردعلي وعارف النكدي.

في تلك الفترة كانت السلطات الفرنسية تتهم طلاب كلية الحقوق بأنهم يساعدون الثوار، ولا سيما، بعد اندلاع ثورة سلطان باشا الأطرش في جبل الدروز، وامتداد ألسنة لهيبها إلى غوطة دمشق، ثم إلى دمشق نفسها.  ومن الأحداث المهمة في تلك الفترة، أن المفوض السامي الفرنسي هنري دو جوفنيل طلب زيارة كلية الحقوق فاستقبله طلاب الحقوق بأن أداروا ظهورهم لدى دخوله عليهم، فما كان منه إلا أن قال لفارس الخوري – العلاّمة والزعيم الوطني الكبير –: "أنت تُعّلِم الطلاب الثورة Revolution"، وهدّد بإغلاق الكلية. فردّ الخوري بأنه يعلّم الطلاب التطوّر Evolution فأُعجب المفوض السامي بهذا الجواب. إلا أن عبد القادر العظم قال لطلاب الصف الأول "الله يصرفكن عنا بالخير"، لأنه كان يعلم أن الطلاب كانوا يساعدون ثوار الغوطة ليلاً حين كانت السلطات الفرنسية تفرض حظر التجوال.

وحدث أيضاً أن السلطات الفرنسية احتجزت الطالب عادل حتاحت، فذهب ناظم القدسي مع اثنين من زملائه هما رئيف الملقي (النائب عن حماه والوزير لاحقاً) وأحمد الشهابي لمقابلة الجنرال جورج كاترو، الذي لم يسمح لهم بالكلام، لكنه أعجب بجرأتهم وبعد إعطائهم محاضرة في القانون، وعدهم بإطلاق سراح حتاحت وهكذا كان.

عام 1923 أسّس الدكتور عبد الرحمن الشهبندر حزب الشعب في دمشق، وكان فارس الخوري أيضاً أحد المؤسسين، ولقد كان هذا الحزب من كبار المؤيدين لثورة جبل الدروز.

وفي العام التالي 1924، أتى اللورد بلفور، صاحب الوعد المشؤوم، في زيارة إلى دمشق حيث أقام في فندق فيكتوريا. ويومذاك انتفض طلاب الحقوق ونظموا المظاهرات في شوارع دمشق وجوامعها، وزحفوا على الفندق لإحراقه. وفوراً، طلبت السلطات الفرنسية من اللورد بلفور مغادرة دمشق في اليوم نفسه حفاظاً على حياته.

وعام 1925 سارت مظاهرات في حلب مساندة لثورة جبل الدروز، فسجنت السلطات الفرنسية عدداً من الوطنيين على رأسهم إبراهيم هنانو، ومعه رشدي الكيخيا وبسيم بن تقي الدين القدسي، شقيق ناظم الأكبر، فذهب ناظم لزيارتهم في السجن. وكانت تلك المناسبة هي التي هيأت أول لقاء بين ناظم القدسي ورشدي الكيخيا، ولاحقاً قيّض لها أن تؤسّس لمسيرتهما السياسية المشتركة التي استمرت نحو ستة عقود من عام 1929 حتى وفاة رشدي الكيخيا في قبرص عام 1989. 

خلال دراسة ناظم القدسي لمدة ثلاث سنوات في كلية الحقوق أخذ علامة عشرة على عشرة (العلامة الكاملة) في كل المواد باستثناء مادة قواعد اللغة العربية، التي حصل فيها على علامة ثمانية على عشرة. وهو ما حدا بعميد الكلية فارس الخوري أن يقول للأساتذة اللذين عارضوا معادلة شهادته "هذا الذي كنتم تعارضون معادلة شهادته، هل أتاكم مثله في تاريخ الجامعة؟".

في عام 1925 أعلنت الحكومة السورية عن تقديم منحة دراسية واحدة لطلاب من كلية الحقوق لإكمال دراستهم ونيل شهادة الدكتوراه في فرنسا. فتقدّم صاحب الترجمة إلى الامتحان لنيل هذه المنحة مع عدد من زملائه، فقال له زملاؤه المتقدّمون لنيل المنحة أن نجاحه مضمون نظراً إلى نتائج امتحاناته في الكلية، وتمنّوا عليه الانسحاب نظراً لأنه من عائلة ميسورة. وهكذا كان، إذ انسحب من امتحان المنحة ونجح سيف الدين المأمون، ونال هذه المنحة. وفي العام نفسه، عام 1925، تفجّرت الثورة السورية فامتنعت الحكومة الفرنسية عن معادلة شهادة الحقوق الصادرة من كلية الحقوق في دمشق مع شهادة الحقوق الصادرة عن الجامعات الفرنسية. وأثناء تقديمه امتحانات السنة الأخيرة  في الكلية، عام 1926، توفى والده، إلا أن العائلة ارتأت ألا تخبره بذلك إلا عند رجوعه إلى حلب بعد نهاية الامتحان.

غير أن الخطوة التالية ما كانت بعيدة، إذ كان ابن عمه نافع بن مجيب القدسي مديراً عام للشرطة في سورية، واستحصل له على كتاب توصية من أحد المسؤولين الفرنسيين موجّه إلى وزير المعارف في فرنسا لقبوله في جامعة باريس - السوربون. ثم أن والده ترك له بعد وفاته عدداً لا بأس به من الأملاك الزراعية، وألفاً ومائتين وسبعين ليرة ذهب أنفقها على دراسته الجامعية  في أوروبا لمدة ثلاث سنوات. 

غادر ناظم القدسي ميناء بيروت في أواخر عام 1926 على ظهر باخرة متجهة إلى ميناء مرسيليا الفرنسي ومن ثم إلى باريس، وهو لمّا يتجاوز العشرين من عمره. وهناك قدّم كتاب التوصية إلى وزير المعارف، لكن مديرة مكتب الوزير أبلغته بأن القانون لا يسمح بمعادلة شهادته، غير أنه بالمقابل ليس بالإمكان رفض كتاب التوصية، وبالتالي، فعليه الانتظار.

خلال هذه الفترة أمضى ناظم وقته في حضور اجتماعات مجلس النواب الفرنسي، وهناك أعجب بقوة المداولات السياسية وتعدّدها. وكانت تلك أول أطلالة له على الديمقراطية الغربية التي تجذّرت في تفكيره السياسي منذ ذلك الوقت.  ولقد كان هناك في باريس جمعية للطلاب السوريين العرب فانتسب إليها، وكان فيها كل من منير العجلاني ومحسن البرازي ونجيب الأرمنازي وماجد العمري وحيدر مردم بك. إلا أنه عندما طال الانتظار، قرّر الذهاب إلى مدينة جنيف السويسرية في أوائل عام 1927، وهناك انتسب إلى كلية الحقوق الدولية بجامعتها، مع الإشارة إلى أن عميد تلك الكلية، المسيو رافار، كان رئيس لجنة الانتدابات التابعة لعصبة الأمم المتحدة في جنيف. وكان المسيو رافار يحضر اجتماعات هذه اللجنة بصورة متواصلة. وفي جنيف أيضاً، تعرّف على إحسان الجابري والأمير شكيب أرسلان وأخيه الأمير عادل ورياض الصلح، الذين كانوا أعضاء الوفد السوري الفلسطيني في اجتماعات ومداولات عصبة الأمم بجنيف. كذلك، تعرّف هناك على الحبيب بورقيبة (الزعيم التونسي لاحقاً)، وبدأ نشاطه السياسي مع الوفد السوري الفلسطيني. ولقد انتدبه الوفد السوري مع فريد زين الدين لتمثيل سورية في مؤتمر محاربة الاستعمار الذي انعقد في فرانكفورت عام 1928.

في جنيف، في آواخر عام 1927 اجتاز ناظم القدسي الامتحان الشفهي لنيل شهادة الدكتوراه، ونال علامة 6/6، وفي أوائل عام 1928 اجتاز الفحص الكتابي ونال علامة 5.5/6. وبدأ بحثه العلمي لكتابة أطروحته بعنوان "نقد نظرية السيادة في القانون الدولي"، واستمر في الكتابة إلى نهاية ذلك العام، وكان يمارس خلالها النشاط السياسي مع الوفد السوري لعصبة الأمم.

في أوائل عام 1929 نوقشت أطروحته للدكتوراه على امتداد ثلاث ساعات، وحضر المناقشة مستشارون من عصبة الأمم، وقُبلت، ومن ثم اعتمدت من جامعة جنيف في ذلك العام، وهي مدرجة في هذا الموقع. بل، وطلبت منه الجامعة طباعة ثلاثمائة نسخة من هذه الأطروحة، فطبعها في باريس وعاد إلى سورية بعدما أمضى أسبوعين في مدينة البندقية وميناء ترياسته الإيطالي في أواخر 1929. والمثير، أنه كان معه على ظهر الباخرة عدد من المهاجرين اليهود من أوروبا الذين نزلوا ليلاً في ميناء حيفا.

 النضال ضد الانتداب

كان الوفد السوري في جنيف قد أعلم الشباب الوطني عن قدوم مَن أصبح "الدكتور" ناظم القدسي إلى بيروت، واستقبله عدد منهم في ميناء بيروت لاستضافته، إلا أنه اعتذر منهم وغادر بيروت في اليوم ذاته بالقطار إلى حلب. وفي مدينته، كان في استقباله أيضاً الشباب الوطني بتعليمات أرسلها لهم إحسان الجابري من جنيف.

لقد عاد ناظم القدسي إلى حلب حاملاً شهادة الدكتوراه في الحقوق العامة والحقوق الدولية في آواخر عام 1929 قبل أن يتجاوز سن الثالثة والعشرين. وفي حلب بدأ يتدرّب في مكتب زميله في الدراسة وصديقه الدكتور إدمون رباط. وكان إحسان الجابري قد أعلم أخيه سعد الله الجابري عن النشاط السياسي والفعاليات التي كان قد شارك بها في جنيف، فاحتضنته الكتلة الوطنية، وصار القانوني الشاب من أبرز المقرّبين لزعيم الكتلة الوطنية إبراهيم هنانو، ولا سيما، لمقدرته الخطابية.

في تلك الآونة، كانت الاجتماعات العامة ممنوعة، فصارت الكتلة الوطنية تجتمع في المناسبات الدينية بالبيوت العربية الكبيرة الخاصة في حلب القديمة، وخاصة في عيد المولد النبوي. وكان الدكتور ناظم دائماً خطيب الكتلة الوطنية بحضور زعمائها في حلب إبراهيم هنانو وسعد الله الجابري والدكتور عبد الرحمن الكيالي والشيخ عبد القادر السرميني وأحمد الرفاعي والدكتور صبحي غازي والحاج نجيب باقي والحاج فاتح المرعشلي والحاج فاتح وفائي، بجانب جميل إبراهيم باشا وأخيه حسن إبراهيم باشا – والأخيران إبنا عمة ناظم القدسي - وآخرين.  وبعد انقضاء فترة سنة على تدربه انتسب إلى نقابة المحامين في حلب.

عام 1930 شارك صاحب الترجمة الدكتور إدمون رباط في مكتب المحاماة، وأصبح هذا المكتب الممثل القانوني لأعضاء الكتلة الوطنية في حلب، وخاصة، أمام المحاكم المختلطة والمحاكم السورية.  وكانت الكتلة الوطنية تنتدبه لإلقاء الخطب باسم الكتلة في المناسبات الوطنية في دمشق، ولا سيما، في ذكرى إعدام شهداء 6 آيار وأيضاً في ذكرى معركة ميسلون. كذلك، كان زعماء الكتلة الوطنية في دمشق خلال أوائل الثلاثينيات يثنون بالغ الثناء على هذه الخطب ما كان يثلج صدور زعماء حلب، وفي مقدّمهم إبراهيم هنانو وسعد الله الجابري. وفي إحدى هذه المناسبات، بحضور أستاذه رئيس الجمهورية، الشيخ تاج الدين الحسني، انطلق عفريت الخطابة منه وخرج عن النص فألهب حماس الجماهير بمشاعره الوطنية. وعندها عرض عليه رئيس الجمهورية، بواسطة ابن عمه نافع مجيب القدسي، المدير العام للشرطة في سورية، تعيينه في سلك القضاء في الدولة، بيد أنه رفض العرض شاكراً.

في هذه الأثناء، كان الدكتور ناظم مسؤولاً أيضاً عن أملاك والده الزراعية كونه أكبر أشقائه، مع العلم أن  شقيقه الأصغر الدكتور رشاد القدسي كان في فرنسا لمتابعة دراسته للحصول على شهادة دكتوراه دولة في الحقوق الخاصة. غير أن العمل السياسي الوطني، بعد مضي سنتين، استحوذ على أكثر وقته. وكان يجلب العمل الذي يتطلب دعاوى قضائية إلى مكتب المحاماة، فيتولاها في المحاكم شريكاه الدكتور إدمون رباط والمحامي رزق الله سالم.

عام 1932، في الانتخابات النيابية، ترشح أخوه بسيم تقي الدين القدسي على القائمة المنافسة لقائمة مرشحي الكتلة الوطنية. لكن الدكتور ناظم فضّل ولاءه الوطني على انتمائه العائلي، لأنه سرت إشاعة في حلب على أن اللائحة الثانية كانت تلاقي الدعم من السلطات الفرنسية. ولقد أثار هذا الموقف إعجاب زعماء الكتلة الوطنية، وبالأخص، أنه لم تكن هنالك أية مشاكل عائلية بينه وبين أخيه الأكبر.

في تلك الانتخابات بعث الزعيم هنانو معه رسائل شفهية إلى زعماء الكتلة في حمص برئاسة هاشم الأتاسي، وفي دمشق إلى زعماء الكتلة هناك شكري القوتلي وفارس الخوري وجميل مردم بك ولطفي الحفار وآخرين غيرهم، غير أن التوفيق لم يحالف معظم مرشحي الكتلة الوطنية في جميع أنحاء سورية.

ومن ثم، عندما أخَلّ الفرنسيون بوعودهم لمجلس النواب، وفرضوا معاهدة لا تلبي المطالب الوطنية السورية، ذهب ناظم القدسي مع زعماء الكتلة في حلب إلى اجتماع الكتلة الوطنية في دمشق، وفرضوا استقالة ممثلي الكتلة الوطنية في الحكومة برئاسة حقّي العظم.

وكانت مظاهرات عارمة قد سارت في جميع أنحاء سورية مطالبة المجلس برفض المعاهدة، واجتمعت الكتلة الوطنية مع الجماهير الشعبية في الجامع الكبير في حلب. وعندما كان الدكتور ناظم يلقي خطابه من على منبر الجامع مطالباً الجماهير بالالتحاق بالمظاهرة التي ستخرج من الجامع الكبير بقيادة زعماء الكتلة، جاء خبر رفض مجلس النواب السوري المعاهدة، ففرحت الجماهير بذلك فرحاً كبيراً، وحلّت السلطات الفرنسية على أثرها مجلس النواب. 

عام 1934 تزوّج ناظم القدسي من السيدة شهيرة 1918 - 1997 إبنة الحاج عبد الله ابن الحاج عبد القادر صلاحية، وكانت تلك العائلة، التي تعمل في التجارة والعقار، يومذاك، من أكبر العائلات الميسورة في حلب.  ولقد أنجب منها كلاً من: محمد سعد (1934 – 2009) وفاطمة عهد (1936 – 1981) ومحمد فريد (1939 – 2018) وفواز (1941 - ...) وفائز (1943 - ...)  وفيصل (1947 - ...) وفارس (1959 - ...). وفي عام 1934، كان محمد علي العابد رئيساً للجمهورية والشيخ تاج الدين الحسني، القريب من السلطات الفرنسية، رئيساً للوزراء. ولقد قرّر الأخير أن يزور حلب وكان على صداقة مع أخيه بسيم القدسي وشقيق زوجته عبد القادر صلاحية.

لكن الكتلة الوطنية علمت بأن الشيخ الحسني ينوي أداء صلاة الجمعة في الجامع الكبير، وهنا نصح قيادة الكتلة بالنزول إلى الجامع الكبير واحتلال السدة الرئاسية كي لا يجلس فيها رئيس الوزراء. وبينما قادة الكتلة، وبينهم ناظم القدسي، هناك، طلبت الجماهير الواقفة خارج الجامع الإذن بضرب رئيس الوزراء بالأحذية، فوافقها على ذلك من دون أن يبلغ أو يستشير إبراهيم هنانو أو سعد الله الجابري، الجالسين في السدّة في ذلك الوقت. وكانت النتيجة أن انهالت مئات الأحذية على رئيس الوزراء، واقتيد ناظم القدسي وسعد الله الجابري وعدد كبير من قيادات الكتلة في حلب إلى السجن. وكانت تلك أول مرة يدخل فيها السجن السياسي، وهو العائد لتوّه من شهر العسل. ولقد أضربت مدينة حلب 25 يوماً على أثر هذه الحادثة، التي رفعت شعبية الكتلة الوطنية، وعزّزت نسبة تأييدها في جميع أنحاء سورية. وبعد خروج زعماء الكتلة من السجن تنادى الزعماء للاجتماع في دمشق، وقرّروا افتتاح مكاتب للكتلة في جميع أنحاء البلاد.

أيضاً في ذلك العام، 1934، توفّي الزعيم إبراهيم هنانو ونعاه سعد الله الجابري. وتأخرت الجنازة يومين حتى يتسنى للوفود المتقاطرة من جميع أنحاء سورية الطبيعية الوصول إلى حلب. وحقاً، شاركت فيها جماهير غفيرة بلغت عشرات الألوف، تقدّمتها وفود أتت من بيروت وطرابلس وصيدا وصور، ومن نابلس والقدس، ومختلف أرجاء العراق، بجانب قيادات الكتلة الوطنية من جميع أنحاء سورية. وتولّى تنظيم الجنازة، التي سارت حوالي ثلاثة كيلومترات، وحمل النعش أربعة أشخاص، هم: إدمون رباط ونعيم أنطاكي وناظم القدسي والدكتور خالد الجابي من دمشق. وعهدت إليه الكتلة باستقبال الوفود القادمة إلى حلب. وللعلم، قبل وفاة هنانو، وبطلب من سعد الله الجابري، حاول ناظم القدسي إقناع هنانو ببيع بعض أملاكه الزراعية لسداد ما عليه من ديون بيد أنه أخفق في ذلك، إذ قال له هنانو "أنا أبيع روحي ولا أبيع أرضاً"، ومات الزعيم هنانو وعليه ديون كثيرة لتجار حلب.

بعد وفاة هنانو تولّت قيادة الكتلة الوطنية لجنة برئاسة هاشم الأتاسي وعضوية سعد الله الجابري وعبد الرحمن الكيالي وجميل مردم ولطفي الحفار وشكري القوتلي وفخري البارودي وفارس الخوري.  وفي العام 1935 أسّس جهاز الشرطة غير المسلحة التابعة للكتلة الوطنية، الذي حمل في حلب اسم "الحرس الحديدي"، وذلك تحت قيادة لجنة مؤلفة من رشدي الكيخيا وميخائيل ليان وناظم القدسي وجميل إبراهيم باشا (إبن عمة الدكتور ناظم). إلا أنه في العام ذاته، حصلت مشكلة طائفية دموية في حلب فكان هو، مع ابن عمته حسن فؤاد إبراهيم باشا والشيخ عبد القادر السرميني، الذين وقفوا بين الجموع وفرّقوها بعد سقوط عدد من القتلى. أيضاً في ذلك العام، نصح صاحب الترجمة قيادة الكتلة بتنظيم حملة لمقاطعة الشركات الأجنبية في سورية، ووافقت القيادة، وبالفعل، نظمت حملة المقاطعة بقيادة فخري البارودي من دمشق وناظم القدسي من حلب، ما دفع السلطات الفرنسية إلى دعوة الكتلة الوطنية لإرسال وفد إلى باريس للمباشرة بمفاوضات الاستقلال، وهي المفاوضات التي أدت إلى "معاهدة عام 1936".

عام 1936 أوكلت قيادة الكتلة الوطنية في حلب لناظم القدسي مهمة تنظيم استقبال الوفد السوري العائد من باريس بعد نجاح مفاوضات المعاهدة السورية الفرنسية، فانكب لمدة شهرين على تنظيم وفود الأحياء والاستعراض الذي جرى لدى قدوم الوفد إلى حلب برئاسة هاشم الأتاسي وعضوية سعد الله الجابري وفارس الخوري.  ذلك الاستعراض استغرق ثلاث ساعات، وحضره من حلب والمدن والقرى المجاورة ما يزيد عن مائة ألف شخص. وتمثّل كل حي برايته الخاصة، كما جاءت وفود القرى باللباس التقليدي، وشاركت فرقتا موسيقى من الكشاف السوري و"الحرس الحديدي". ويومذاك، قال هاشم الأتاسي، رئيس الوفد، من على شرفة فندق بارون، الذي نظّم أمامه هذا الاستعراض، بأنه "لا لزوم للاستفتاء على هذه المعاهدة بعد هذا اليوم لأن الاستفتاء حصل اليوم". وحقاً، كان ذلك أكبر استقبال شعبي عرفته حلب حتى ذلك اليوم. ولقد طلب هاشم الأتاسي وسعد الله الجابري من الدكتور ناظم مرافقتهما في القطار مع فرقة من "الحرس الحديدي" مؤلفة من أربعين شخصاً إلى دمشق، والبقاء هناك لإكمال الاجتماعات مع المسؤولين الفرنسيين هناك.

 النيابة والعمل السياسي والدبلوماسي

عام 1936، كان ناظم القدسي قد بلغ الثلاثين من العمر، وهو السن القانوني للترشح للإنتخابات، فدعاه سعد الله الجابري لترشيح نفسه على قائمة الكتلة الوطنية في الانتخابات النيابية ذلك العام، وهكذا كان. ومن ثم، إستمر في تمثيل مدينة حلب في خمسة إنتخابات نيابية من عام 1936 وحتى عام 1954 حاصداً أعلى عدد من الأصوات مع زميليه رشدي الكيخيا ومعروف الدواليبي. وأيضاً في انتخابات 1936 أوفده سعد الله الجابري للإشراف على الانتخابات التي أجريت في لواء اسكندرون، ولم يلق ذلك استحساناً أو تقبّلاً من مرشح الكتلة هناك، السيد ميخائيل ليان، ومتصرّف اللواء حسني البرازي.

ثم عند انتخاب هيئة المجلس النيابي، جرى انتخاب فارس الخوري رئيساً للمجلس، وكذلك انتخب الدكتور ناظم القدسي والدكتور توفيق الشيشكلي أميني السر للمجلس، كما انتخب جميل ابراهيم باشا وفخري البارودي مشرفين. غير أن انتخاب هاشم الأتاسي رئيساً للجمهورية، لم يرُق ذلك للنائب الدكتور منير العجلاني - الذي لم يكن يومذاك قد تزوّج من كريمة الشيخ تاج الدين الحسني - فقدم اعتراضاً على هذه الانتخابات إلى رئاسة المجلس.

ما يُذكر أنه كان لحضور ناظم القدسي مناقشات مجلس النواب الفرنسي ومداولات عصبة الأمم في جنيف أثّر كبير على تفكيره السياسي المؤسساتي. وعند انتخابه عضواً في مكتب المجلس، عام 1936، أرسى القواعد الصارمة لمكتب المجلس بكيفية تدوين محاضر اجتماعات المجلس منذ ذلك الوقت وحتى 1958، حين أعلنت الوحدة الاندماجية مع مصر. ولقد فرض الدكتور ناظم على المكتب تسجيل المداولات بحرفيتها دونما زيادة أو نقصان، ومن ثم، تدوينها وتوزيعها على النواب قبل انعقاد الجلسة التالية. وكان شخصياً يراجع محاضر كل جلسة بنفسه ليتأكد من دقتها. وتُعدّ هذه المحاضر في مجملها، من أهم المراجع التي تؤرّخ لحياة سورية الديمقراطية النيابية.

وفي العام التالي، 1937، أرسلت الحكومة الوطنية برئاسة جميل مردم بك وفداً إلى القاهرة لمقابلة رئيس مجلس النواب الفرنسي المسيو هيرو لكي يطالب الحكومة الفرنسية بالتصديق على مشروع المعاهدة السورية الفرنسية، التي كانت قد رفضت الحكومة الفرنسية التصديق عليها. وضم الوفد في حينه كلاً من مصطفى الشهابي وإدمون حمصي وناظم القدسي ونوفل الياس. ثم ذهب جميل مردم بك مرتين إلى باريس لإقناع الحكومة هناك بالتصديق على المعاهدة بعد إضافة عدة ملاحق لها.

غير أنه في ضوء اعتراض مجلس النواب السوري على هذه الملاحق، استقال جميل مردم، فشكّل لطفي الحفار وزارة جديدة. ولكن، مجدداً، عندما تعذّر على الحفّار إقناع الحكومة الفرنسية بالتصديق على المعاهدة إستقال أيضاً، وعيّن بعده نصوحي البخاري رئيساً للوزراء.

عام 1939، مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، جاء نوري السعيد بالقطار من بغداد عبر سورية في طريقه إلى أوروبا، فانتدبت قيادة الكتلة الوطنية الدكتور ناظم للقاء السعيد، والبقاء معه ذلك اليوم خلال فترة انتظاره القطار إلى استنبول. وفي العام نفسه، وجرّاء تعنّت الحكومة الفرنسية ورفضها التصديق على المعاهدة متذرعةً بالحرب العالمية الثانية، إستقال رئيس الجمهورية هاشم الأتاسي من منصبه، فحلت السلطات الفرنسية البرلمان السوري.

جدير بالذكر، أنه بعد وفاة الزعيم هنانو لم يستطع سعد الله الجابري كسب قبول جميع الفئات الشعبية التي انطوت تحت راية الكتلة الوطنية. وأخذت تسري شائعات عن أن الكتلة أدخلت في جهاز الموظفين في الدولة أشخاصاً غير أكفاء لقاء رشاوى، فقال هاشم الأتاسي للطفي الحفّار بأنه "إذا كانت الكتلة تريد الاستقلال فعليها أن تغيّر طريقتها في الحكم". كذلك أخذ البعض على سعد الله الجابري أنه يُقَرّب إليه مَن يدعمون قيادته للكتلة في حلب ويُبعِد الآخرين الذين يتخوّف من منافستهم له على رئاسة الكتلة، بغضّ النظر عن سجلّهم المجيد في مقاومة الاحتلال الفرنسي. واتهمه آخرون أيضاً بأنه يعيّن أقرباءه في الدولة وكأن الكتلة في حلب أصبحت جهازاً تابعاً لعائلة الجابري.

وسط هذه الأجواء، قدّم العديد من الشخصيات الحلبية استقالاتهم من الكتلة الوطنية على أثر حلّ البرلمان السوري، وكان من هؤلاء رشدي الكيخيا وناظم القدسي والحاج فاتح المرعشلي وآخرون، وذلك عام 1939.

بعد ذلك، عام 1942، طلب المستر سمرهيز، القنصل البريطاني في حلب، الاجتماع مع الدكتور ناظم القدسي وعرض عليه أن يعمل مستشاراً للقنصلية البريطانية لأغراض الدعاية المحلية لقاء أجر مدفوع آنذاك، فرفض هذا العرض. وهذه الحادثة مذكورة أيضاً في التقارير البريطانية التي كانت سرّية، وتم إدراجها في هذا الموقع. وما يجدر ذكره في هذا السياق أنه بعد رفض الدكتور ناظم هذا العرض بمدة زمنية ليست بقصيرة عُقد اجتماع مجلس الأمن في لندن عام 1946. وبعده عقد في القاهرة اجتماع مجلس الجامعة العربية عام 1951، وشارك يومها ناظم القدسي بصفته رئيس وزراء سورية. وهناك جاءه المستر سمرهيز، الذي كان قد أصبح سفيراً في وزارة الخارجية البريطانية، ليقول له أن الحكومة البريطانية تكنّ له كل الاحترام وتقدّر رفضه العمل بأجرٍ مدفوع "وتتمنى أن يكون هناك الكثير من أمثاله السياسيين في الدول النامية من حيث نظافة اليد والعفة السياسية".

بعد استقالة رشدي الكيخيا وناظم القدسي من الكتلة الوطنية، باشرا الحليفان اتصالاتهما السياسية المستقلة مع زعماء دمشق وحمص وحلب، وخاصةً، مع عائلات الشيشكلي والمُلقي والعظم في حماه، والأتاسي والجندلي في حمص، والقوتلي والعجلاني والحسامي والحسيبي في دمشق، بجانب زعماء العشائر في الجزيرة السورية.

وفي انتخابات عام 1943 نجح ناظم القدسي ورشدي الكيخيا على قائمة مستقلة عن الكتلة الوطنية، بينما سقط في الانتخابات جميع المرشّحين الذين كانوا معهما على هذه اللائحة في حلب. واجتمع الزعماء الذين نجحوا في الانتخابات في بيت شكري القوتلي في دمشق، ومنهم رشدي الكيخيا وناظم القدسي. وبعد مداولات طويلة غير مثمرة قال الدكتور ناظم موجهاً حديثه إلى القوتلي "نحن نرشحك لرئاسة الجمهورية ونرشح فارس الخوري لرئاسة مجلس النواب ونترك لك الخيار في اختيار مَن تريد لتشكيل الوزارة"، فوافق الجميع على هذا الاقتراح الذي تم تنفيذه.رشدي الكيخيا وناظم لقدسي رفضوا العروض التي قُدِمت إليهم بالدخول في الوزارة وشكّلا نواة المعارضة السياسية للوزارة، وللحكم في ما بعد.

مع هذا ظل النشاط السياسي لصاحب الترجمة قوياً. ويوم 26 آب عام 1943 قدّم اقتراحاً لمجلس النواب تبنّاه المجلس بالإجماع، وهو أن يطلب المجلس إلى الحكومة العمل وبذل الجهود القويّة والشجاعة للوصول إلى طريقة تؤمن إتحاد الدول العربية. ووافق مجلس النواب ومجلس الوزراء أيضاً على هذا الاقتراح بالإجماع. ثم عام 1944 قدّم مع رشدي الكيخيا إستجواباً للحكومة عن الفساد الموجود في لجنة الإعاشة، فكلفه مجلس النواب بترؤس لجنة تحقيق مؤلفة من النواب كانت نتيجته إحالة عدد من الموظفين المرتشين والتجار الراشين إلى العدالة.

وفي أوائل 1945 طلب الرئيس القوتلي الدكتور ناظم إلى القصر وعرض عليه أن يكون أول وزير مفوض لسورية لدى الولايات المتحدة وعضو الوفد السوري لمؤتمر سان فرانسيسكو لتأسيس الأمم المتحدة ولمؤتمر مجلس الأمن الذي انعقد في لندن بعد ذلك. وقال له القوتلي "أعرض عليك المنصب مع أنك من المعارضة، ولو وجدت شخصاً مؤهّلاً أكثر منك لهذا المنصب لما عرضته عليك". وأبلغه أن رئيس الوزراء (فارس الخوري) ووزير الخارجية (جميل مردم بك) يؤيّدان هذا التعيين، فأجابه بأنه يريد مهلة للتفكير في الموضوع. وبعد مشاورات مع زملائه، وعلى رأسهم رشدي الكيخيا وقاعدته الشعبية في حلب وعائلته، كان القرار أن وجوده في تلك المرحلة كممثل لدولة سورية في أهم محفل دولي أكثر إفادة لبلده من وجوده في البرلمان السوري. وفعلاً، جرى انتدابه من مجلس النواب لوزارة الخارجية لمدة سنة قابلة للتجديد بموافقته.

إختار الدكتور ناظم القدسي لجهاز السفارة كلاً من الدكتور قسطنطين زريق – وهو سوري من مواليد دمشق وأصبح أستاذاً في الجامعة الأمريكية في بيروت - وحسني الصوّاف - من كبار موظفي وزارة المالية - وغادر مسرعاً إلى الولايات المتحدة في شباط 1945 بطائرات عسكرية بريطانية وأميركية، إذ لم تكن الحرب العالمية الثانية قد انتهت بعد تاركاً عائلته في حلب. وفي واشنطن، اتخذ من فندق مايفلاور Mayflower مركزاً مؤقتاً للسفارة، ثم استأجر بيتاً لرئيس سابق للولايات المتحدة هو الرئيس وليام هوارد تافت، وباشر إعداده ليكون مقر سفارة سورية في واشنطن، وحينما عرضت العائلة بعد ذلك بأشهر بيعه اشتراه لحساب الدولة السورية. وكما جرت العادة مع ممثلي الدول الصغيرة، عرض عليه متجر المفروشات أن يعطيه حسماً خاصاً كرشوة، فقال لحسني الصوّاف أن يفاوض ليزيد الحسم إلى أعلى درجة ممكنة وقيده لحساب السفارة، فقال له مدير المتجر أنه طوال عمله في واشنطن لم تمرّ عليه مثل هذه الحالة ابداً. هذا، وكان قبل ذلك قد استأجر غرفة اجتماعات كبيرة في الفندق وجعلها مضافة مفتوحة يومياً ومزوّدة بالمأكولات والمشروبات، من جيبه الخاص، لكل أفراد الجاليات العربية، تأتي إليها متى تريد. وكان يداوم في هذه المضافة من ساعات الصباح الباكر وحتى منتصف الليل، مستقبلاً أفراد الجاليات العربية والسلك الدبلوماسي العربي والأجنبي، بالإضافة إلى موظفي وزارة الخارجية الأميركية. ولقد سأله الدكتور زريق "هل نحن في عمل دبلوماسي أم حملة انتخابية؟"... فأجابه "نحن في الإثنين معاً ... رافعين دائماً راية سورية خفّاقة عالية في هذه العاصمة الأكثر أهمية في العالم".

في آواخر آذار 1945، وقبل إتمام مقر السفارة في واشنطن، أعطت وزارة الخارجية الأميركية الدكتور ناظم موعداً على عجل لتقديم أوراق اعتماده للرئيس فرانكلين روزفلت قبل وفاة روزفلت بثلاثة أسابيع ونصف، وذلك في 18 آذار 1945. وكان يومها من ضمن خمسة سفراء آخرين، أبلغهم رئيس تشريفات البيت الأبيض بأن الوقت المحدّد لكل سفير خمسة دقائق فقط لأن صحة الرئيس لا تساعده. غير أنه، عند دخوله على الرئيس روزفلت، قال له "جئتك من دولة صغيرة، ولكن بأكبر أوراق اعتماد في العالم". فانشرح الرئيس روزفلت لتلك الافتتاحية واستمر اللقاء عشرين دقيقة، وكان مدير التشريفات يدخل عليهما كل خمسة دقائق لتذكير الرئيس بالمواعيد الأخرى.

ومما قاله الرئيس روزفلت أنه عاد أخيراً من مقابلة الملك عبد العزيز إبن سعود، مضيفاً أنه لم يتأثر في حياته بشخص مثلما تأثر بابن سعود. ثم سأله "لماذا لا تتحدّ هذه الدول العربية؟"، فأجابه الدكتور ناظم بأنه يرجوه أن يوجه هذا السؤال إلى حلفائه البريطانيين والفرنسيين "الذين لا يناسبهم هذا الاتحاد". وأخذ يتكلم عن التاريخ الحديث للدول العربية، فقال له الرئيس روزفلت بأنه سيطلب من وزارة الخارجية الأميركية متابعة مناقشة هذا الموضوع معه.

وبعد وفاة الرئيس روزفلت استمرت مراسلات ناظم القدسي ومقابلاته مع أرملته السيدة إليانور روزفلت ، وبناءً على توصية الرئيس كانت أبواب وزارة الخارجية مفتوحة له دوماً. ثم بعد تقديمه أوراق اعتماده غادر الوزير المفوض الدكتور ناظم القدسي إلى سان فرنسيسكو، ومكث فيها لمدة ثلاثة أشهر إلى حين توقيع "ميثاق الأمم المتحدة"، الذي وقعه عن سورية فارس الخوري ونعيم أنطاكي وناظم القدسي، الذي لم يكن عمره يتجاوز في حينه الـ39 سنة. وللعلم، فإنه عند وفاته عام 1998 كان صاحب الترجمة آخر شخص موقّع على الميثاق على قيد الحياة.

خلال "مؤتمر سان فرانسيسكو" توثقت علاقة الدكتور ناظم القدسي الشخصية بالأمير فيصل بن عبد العزيز آل سعود، واستمرت هذه الصداقة بين الاثنين حتى وفاة الملك فيصل عام 1975. ونظراً لصغر سنه وإتقانه أربع لغات كان صاحب الترجمة لولب الحركة والعامل المشترك بين سفراء مصر والأردن والعراق ولبنان والسعودية في واشنطن. ولقد كلفه الشيخ يوسف ياسين، ناظر الخارجية السعودية، وزميله إبّان فترة الدراسة في الجامعة السورية، عدة مرات بتوزيع المراسلات بين الملك عبد العزيز والرئيس هاري ترومان على السفارات العربية والصحف الأميركية في واشنطن. وعندما فتح الرئيس ترومان باب الهجرة لليهود للذهاب إلى فلسطين دعا الدكتور ناظم السفراء العرب للاجتماع عند السفير المصري حسن بدوي باشا وطلبوا موعداً من وزير الخارجية الأميركي وحصلوا عليه في اليوم التالي. وقال لهم الوزير أن وزارة الخارجية لا علاقة لها بهذا الموضوع، وإن هذا الأمر أتى من البيت الأبيض. ومنذ ذلك الوقت وهو يعلم أنه عندما يتعلق الأمر بموضوع فلسطين فإن القرار عند الرئيس شخصياً وليس عند مؤسسات الحكومة الأميركية.

ومن الاجتماعات التي كان الدكتور ناظم يذكرها دائماً أنه طلب مقابلة مالك صحيفة "نيويورك تايمز" ليعترض على موقف الصحيفة المؤيد لتأسيس دولة إسرائيل في فلسطين، إذ قال له مالك الصحيفة العريقة "إذا سمعت نصيحتك يا سعادة السفير، فهل ستستطيع أن تجد لي عملاً آخر؟". ولما استوضحه عن السبب، أجابه بأن جميع الإعلانات التي تأتيه إنما تأتيه عن طريق وكالات الإعلان وهي مملوكة في غالبيتها للأقلية اليهودية في أميركا. وبالتالي، إذا اعترض ستتوقف هذه الإعلانات، وعندها سيضطر إلى إغلاق الصحيفة.

وفي آواخر عام 1945 وفي طريق عودة صاحب الترجمة إلى سورية، وبتكليف من الحكومة حضر اجتماعات الأمم المتحدة ومجلس الأمن التي انعقدت في لندن من 10/1/1946 إلى 14/2/1946، وفيها طلب المجلس من فرنسا سحب جميع قواتها من سورية، ثم عاد الدكتور ناظم إلى مقعده في مجلس النواب السوري بعد غياب سنة.

 الاستقلال والمناصب الحكومية

عند رجوع الدكتور ناظم القدسي إلى سورية من الولايات المتحدة وجد المعارضة مشتّتة داخل مجلس النواب، وقسماً من نواب المعارضة يأخذون الدعم المالي من بعض الصناعيين والتجّار، فقدم إلى مجلس النواب مشروع قانون بتغيير نظام الانتخاب من مرحلتين إلى مرحلة واحدة. وبموجب هذا القانون يتولّى الشعب انتخاب ممثليه مباشرة، وليس عن طريق مجموعة من الناخبين الثانويين.

وسارت مظاهرات في جميع أنحاء سورية لتأييد هذا التغيير، فاضطر مجلس النواب للموافقة على هذا المشروع، وأصبحت الانتخابات النيابية منذ ذلك الوقت تجرى من مرحلة واحدة حيث ينتخب الناخب ممثليه في المجلس مباشرة. وكان من نتيجة معارضة رشدي الكيخيا وناظم القدسي وحلفائهما النيابية ورفضهم المشاركة في وزارة جميل مردم بك، وكشفهم عن أماكن الفساد في الدولة، أن ارتفعت شعبيتهم عند الناخبين. وهكذا، بدأ الحليفان التفكير الجدي بتأسيس حزب جديد مبني على مبادئهما في العمل السياسي والوطني.

وحدث في منتصف 1947 أن توفّي سعد الله الجابري، زعيم الكتلة الوطنية في حلب، ما أضعف الكتلة كثيراً لا سيما، بعد خضوع الكثير من أعضائها لتأثير كبار الصناعيين والتجّار في المدينة منذ أوائل الأربعينيات، وهو ما جعلها في نظر عامة الشعب تمثل الطبقة الغنية في البلاد فقط.

وفي صيف ذلك العام قرّر رشدي الكيخيا وصديقه وزميله الدكتور ناظم القدسي ومعهما العديد من الزملاء والأصدقاء والمؤيدين تأسيس مدرسة جديدة في العمل السياسي والوطني تقوم على العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص ومؤهلات الفرد العلمية، بغض النظر عن مركز عائلته المالي والاجتماعي، وكذلك تؤمن بالاقتصاد الحر المبني على الشفافية وتحارب الفساد في الدولة والمجتمع بجميع أشكاله المالية أو عن طريق تبادل المنافع والمصالح. وهكذا أسس حزب الشعب بزعامة رشدي الكيخيا ورئاسة ناظم القدسي، ودفع إلى مقدمة العمل السياسي الشباب المؤهل علمياً وأخلاقياً، من دون النظر إلى الخلفية العائلية أو الاجتماعية، من أمثال الدكتور معروف الدواليبي والدكتور عبد الوهاب حومد وعلي بوظو والدكتور منير العجلاني وأحمد قنبر وغيرهم الكثير. وخلال فترة قصيرة جداً انتشر هذا الحزب في جميع أنحاء سورية، وحصل على الأكثرية النيابية منذ آواخر الأربعينيات وحتى آواخر الخمسينات بتأييد كتلة نواب العشائر. وكان من جرّاء ذلك انتخاب الدكتور ناظم القدسي خلال أربعة دورات متتالية لرئاسة مجلس النواب السوري وحتى آواخر عام 1957.

انتخابات 1947 أجريت على قانون الانتخاب الجديد، وفازت قائمة حزب الشعب في حلب، فشكّل حزب الشعب نواة المعارضة ورفض المشاركة في حكومة جميل مردم بك.

وعام 1948 وقعت "حرب فلسطين" التي اندحرت فيها جيوش الدول العربية المجاورة لفلسطين، فقرّر حزب الشعب وضع الاعتبارات السياسية الداخلية جانباً ومساندة الحكومة بجميع قراراتها، وخاصةً، مع الدول العربية وقراراتها المالية المتعلقة بالجيش. وفي نيسان 1948، أعيد انتخاب شكري القوتلي، لكن حزب الشعب رفض هذا التجديد، فامتنع عن التصويت ولم يحضر جلسة القسم.

وفي العام نفسه انتدب مجلس النواب السوري الدكتور ناظم لترؤس الوفد النيابي لحضور "مؤتمر نيودلهي" حول استقلال إندونيسيا، الذي عُقد في كانون الثاني 1949، وأسس من خلاله علاقة شخصية مع الزعيم الهندي البانديت جواهرلال نهرو وابنته أنديرا، كان من نتيجتها زيارة نهرو إلى سورية عام 1955.

على صعيد ثانٍ، بعد هزيمة الجيش السوري في "حرب فلسطين" تم تغيير قيادة الجيش، وتعيين اللواء حسني الزعيم قائداً عاماً له. وفي 23 تشرين الثاني 1948 قدّم نواب حزب الشعب مذكرتهم العلنية الشهيرة إلى رئيس الجمهورية شكري القوتلي معترضين فيها على طريقة إدارة الدولة، وعارضين التعاون معه لما فيه مصلحة الوطن بعيداً عن المصالح الشخصية ولمحاربة الفساد في الدولة.

وفجأة، في 29 آذار 1949 قام اللواء حسني الزعيم بانقلابه، الذي تبيّن في ما بعد أنه انقلاب نظّم ونفّذ بتشجيع معنوي ومادي أميركي. وشهد الانقلاب سجن رئيس الجمهورية القوتلي ورئيس وزرائه خالد العظم. 

حسني الزعيم أرسل عديله نذير فنصة إلى فندق الأوريان بالاس في دمشق، عند الفجر، وقرع باب غرفة الدكتور ناظم كي يدعوه لمقابلة الزعيم من أجل تشكيل الحكومة، إلا أنه رفض بإصرار عرض الزعيم، كما رفض الذهاب لمقابلة الزعيم. وعند الصباح أتى إليه عدد من نواب المعارضة، منهم معروف الدواليبي وأكرم الحوراني، وأبلغوه أن الزعيم مُصِر على مقابلته وأصرّوا عليه أن يرافقهم، فذهب إلى غرفة صديقه الأمير عادل أرسلان واصطحبه معه. وبالفعل، ذهبوا جميعاً لمقابلة حسني الزعيم في قيادة الجيش.

هناك وجدت المجموعة الزعيم كالثور الهائج، وبادرهم بالقول أنه وضع دمه على كفه في سبيل تسليم الحكم إلى ناظم القدسي الذي أبقاه منتظراً خمس ساعات. فرد الدكتور ناظم "أنت انقلبت على مؤسسات الدولة الدستورية ومن دون اتفاق أو مشاورة مع السياسيين، ولذلك أرفض تشكيل الوزارة حتى لو كان ذلك سيؤدي بي إلى سجن المزة". وعلى الأثر، ترك الاجتماع، ثم غادر دمشق في اليوم ذاته عائداً إلى حلب من دون أن يعلم في حينه أن انقلاب الزعيم وإصراره على تسليمه الحكم في سورية كانا بترتيب ودعم أميركيين مائة في المائة. ولو كان علم بذلك يومذاك لازداد إصراراً على الرفض. وهذا، مع العلم، أن بعض نواب المعارضة ضغطوا عليه للقبول بتشكيل الوزارة لما فيه مصلحة الوطن. وفي أي حال، عيّن حسني الزعيم الدكتور محسن البرازي، أمين عام القصر الجمهوري، رئيساً للوزراء.

بعد هذه التطورات، أتى رشدي الكيخيا من حلب إلى دمشق، وحضر اجتماعاً في وزارة الخارجية بطلب من أمينها العام فريد زين الدين، الذي كان مؤيداً للانقلاب، وبحضور كلّ من زكي المدرّس ولطفي الحفّار. وشدد الكيخيا على رفضه المطلق تدخل الجيش في السياسة. وبالنتيجة، رفض الحاضرون تأييد الانقلاب، باستثناء فريد زين الدين.

أيضاً، جاء وفد من العراق لتهنئة حسني الزعيم، غير أنه حصل صدام شخصي بين الزعيم ونوري السعيد -  وكلاهما من العسكريين - كان من نتيجته ابتعاد العراق عن سورية طوال فترة حكم الزعيم التي لم تطل أكثر من بضعة أشهر. ولكن، خلال هذه الفترة، وبضغط أميركي، وقّع اتفاق الهدنة واتفاق أنابيب البترول عبر سورية – وهو ما يعرف بـ"التابلاين". وكذلك سلم حسني الزعيم أنطون سعادة، زعيم الحزب السوري القومي الاجتماعي، إلى لبنان بعدما كان قد أعطاه الأمان، وهناك جرى إعدامه بعد يضع ساعات.

أيضاً إتهم حسني الزعيم إبان هذه الفترة القصيرة حزب الشعب بالعمل ضده، فاعتقل عدد كبير من قياداته بينها أحمد قنبر وفيضي الأتاسي وعبد العزيز الحلاّج وجودت عزّة أغا وعبد اللطيف سباهي، ووضع كلاً من رشدي الكيخيا وناظم القدسي تحت الإقامة الجبرية.

عند هذا الحدّ، ونظراً لتصرّفات حسني الزعيم الخرقاء، نفّذ كبار ضباط الجيش، ولا سيما مجموعة من المنتسبين إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي والمناصرين له انقلاباً على حسني الزعيم، وأعدموه مع رئيس وزرائه الدكتور محسن البرازي ورموا جثتيهما في مكان ما خارج دمشق.

وعلى الأثر، توجّه رئيس الأركان الجديد اللواء سامي الحناوي إلى هاشم الأتاسي طالباً منه تولّي الحكم وتشكيل الوزارة الجديدة. وبدعوة من الرئيس الأتاسي تداعى زعماء الكتل النيابية للاجتماع في بيته بمدينة حمص، وحضر الاجتماع سامي الحناوي الذي أقسم على القرآن الكريم بأن لاّ يدع الجيش يتدخل في السياسة. وعندها، في صيف عام 1949، وافق الزعماء السياسيين على عودة الحكم المدني للبلاد والمشاركة فيه.

شكّل هاشم الأتاسي الوزارة وعيّن فيها الدكتور ناظم القدسي وزيراً للخارجية. ولاحقاً، كلف مجلس الوزراء بالإجماع وزير الخارجية على بدء المفاوضات مع العراق لتأسيس "اتحاد فيدرالي" مع المملكة العراقية.   وبعد عدة جلسات مع الوفد العراقي، قال وزير الخارجية السوري أن العراق مرتبط بمعاهدة مع بريطانيا وعليه أخذ موافقتها على هذا الاتحاد، بينما لم يوافق الوفد العراقي على أنه بحاجة إلى موافقة بريطانيا على مشروع الاتحاد. عندها إستمزج رأي السفير البريطاني في دمشق الذي وضع شروطاً شبه مستحيلة لموافقة بريطانيا على هذا الاتحاد. وبالتالي، أبلغ مجلس الوزراء السوري بأنه هناك إستحالة لمثل هذا المشروع نظراً للفوقية التي يتصرّف بها الوفد العراقي، ولارتباطه بمعاهدة مع بريطانيا تلزم العراق باتباع السياسة الخارجية لبريطانيا في علاقاته الدولية. عند ذلك كلّف مجلس الوزراء السفير السوري في باريس الدكتور عدنان هاشم الأتاسي بمتابعة هذا الموضوع.

 

قرّر مجلس الوزراء إصدار دستور حديث للدولة السورية بعد الاستقلال، فأجريت انتخابات للمجلس التأسيسي المولج بتحضير مشروع الدستور في آواخر عام 1949. حزب الشعب وحلفاؤه فازوا بالغالبية المطلقة في هذه الانتخابات، فانتخب رشدي الكيخيا رئيساً للمجلس التأسيسي وناظم القدسي رئيساً للجنة المخوّلة بتشريع دستور سورية الجديد المسمّى "دستور 1950"، وهو الدستور الذي استمر العمل به حتى عام 1958، وبعد ذلك في فترة ما بعد الوحدة وحتى الانقلاب البعثي الناصري في 8 آذار 1963.

كان الدكتور ناظم يعتزّ كثيراً بأنه واللجنة - التي كانت في غالبيتها من حزب الشعب - اقتبسوا من دساتير الديمقراطيات الغربية المعمول بها في ذلك الوقت، ولا سيما، الفقرات التي تضمن جميع حقوق الفرد السوري ومنها الحرية السياسية، وحرية الصحافة، وحرية التظاهر، وجميع الحقوق المدنية المعمول بها في أوروبا وسويسرا. وكانت عنده قناعة مطلقة بأن الدول الأوروبية الغربية المتقدمة إنما تتبع النظام اللا مركزي لأنه الأصح والأفضل، ونجح إلى حد ما في تشريع ذلك في الدستور. لكنه، في المقابل، أخفق في إقناع اللجنة بتبني النظام الرئاسي، خاصة، أن سورية كانت قد انتهت للتو من أول انقلاب عسكري ما كان ليحدث لو وُجد حكم قوي ومتماسك. وهنا، يجدر الذكر بأن معظم أعضاء اللجنة كانوا من الأساتذة في الجامعة السورية، وهم تحديداً، الدكتور معروف الدواليبي والدكتور عبد الوهاب حومد والدكتور منير العجلاني وعلي بوظو، والأربعة من حزب الشعب.

في مطلق الأحوال، أقّرّ مجلس النواب بالإجماع الدستور وأصدره، وحوّل نفسه إلى مجلس نيابي في صيف 1950. ومن ثم، انتخب هاشم الأتاسي رئيساً للجمهورية في ٥ أيلول ١٩٥٠. إلا أنه بعد بضعة أشهر من إعدام حسني الزعيم، دبّ الخلاف بين ضباط الجيش، فاستقال اللواء سامي الحناوي وأخذ مكانه اللواء شوكت شقير، كما تولّى رئاسة شعبة الضباط في قيادة الجيش العقيد أديب الشيشكلي.

بعد ان تم إقرار الدستور من قبل لجنة الدستور، استقال  هاشم الأتاسي من رئاسة الوزارة و اصبح رئيسا للدولة، وكلف الدكتور ناظم القدسي بتشكيل الوزارة في 24 كانون الاول 1949، فشكّلها وصدرت المراسيم بذلك. ولكن في اليوم ذاته، وقبل أن تجتمع الوزارة، دعا الدكتور ناظم هيئة أركان الجيش للإجتماع معه في وزارة الخارجية، حيث كان وزيراً للخارجية، ليطمئن على أنهم على وعدهم بالإحجام عن التدخّل في السياسة والعمل اليومي لمجلس الوزراء. في ذلك الاجتماع اختلف الضباط في ما بينهم، وغادر الضباط المجتمعون بعد إعلامهم بأنه لن يسمح لأي منهم في التدخل في العمل السياسي في البلاد. وفي الليلة ذاتها، وبعد مشاورته رئيس المجلس رشدي الكيخيا، قدم استقالته من منصبه الى رئيس الدولة، حتى قبل أن تجتمع الوزارة، وذلك تفادياً لاصطدامه مع ضباط القيادة.

وهكذا، كلّف الرئيس الأتاسي خالد العظم بتشكيل الوزارة، واستمرت هذه الوزارة حتى منتصف عام 1950 واستقالت بعد اصطدامها مع قيادة الجيش، وخاصة العقيد أديب الشيشكلي. وعندها قرّر حزب الشعب بأكثريته النيابية، وبالاتفاق مع الرئيس الأتاسي التصدّي لقيادة الجيش ومنعه من التدخل في السياسة، فأعاد تكليف الدكتور ناظم القدسي بتشكيل الوزارة مرة ثانية في أوائل حزيران عام 1950، واستمرت هذه الوزارة حتى آذار 1951.

في ذلك العام، دعا الرئيس الأتاسي الملك فيصل الثاني، ملك العراق، لزيارة سورية مع الأمير عبد الله الوصي على العرش. وخلال الزيارة جرى بحث موضوع الاتحاد الفيدرالي مع العراق بتصميم من الرئيس الأتاسي إلا أن القدسي كان مقتنعاً بأن الأمر لن يُجدي، أولاً لارتباط العراق بمعاهدة مع بريطانيا، وثانياً للطريقة الفوقية التي كان يتعامل بها العراقيون مع نظرائهم السوريين. وأثناء المحادثات، قال توفيق السويدي (رئيس وزراء العراق بين شباط وأيلول 1950) بأن السوريين يخافون من العراقيين فأجابه الدكتور ناظم أن السوريين "لم يخافوا من فرنسا الدولة المستعمرة فلماذا يخافون من العراق الدولة الشقيقة؟!".

على صعيد ثانٍ، في أوائل الخمسينات كانت المملكة العربية السعودية تتخوّف من التمدّد الهاشمي في سورية، لا سيما، وأن العراق يملك ثروة بترولية هائلة. وكان من نتيجة هذه الزيارة أن أسّست السعودية علاقات مع كبار ضباط الجيش السوري، على رأسهم العقيد الشيشكلي، فكانت الأموال تأتي إلى السفارة السعودية في دمشق ويسلّمها موظف سوري يعمل في السفارة إلى الشيشكلي الذي كان يوزّعها بدوره على كبار الضباط لضمان ولائهم له.

وفي مطلع عام 1951 انعقد مجلس الجامعة العربية في القاهرة على مستوى رؤساء الوزراء، وكان الدور لسورية حينذاك في رئاسة مجلس الجامعة العربية. وإيماناً من ناظم القدسي بأن الطريق الوحيد لمجابهة الأطماع الصهيونية في العالم العربي هو إيجاد نوع من الاتحاد الفيدرالي بين الدول العربية، فإنه قدّم باسم سورية مشروعه للاتحاد الفيدرالي العربي، لكنه طلب أن يبقى المشروع سرّياً حتى تكمل الحكومات العربية دراسته. إلا أن رياض الصلح، رئيس وزراء لبنان، من إجل إفشال المشروع، أعطى نسخته إلى صحيفة "الأهرام" المصرية التي نشرته قبل عودة الدكتور ناظم إلى دمشق لإطلاع الحكومة السورية عليه. وبالتالي، عند عودته وافق رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء بالإجماع على هذا المشروع، بيد أن بعض النواب الذين كانوا يتبعون تعليمات "المكتب الثاني" - أي استخبارات الجيش - بدأوا التساؤلات بحجّة أن مجلس النواب لم يُستشر قبل تقديم هذا المشروع. وعندها قررالدكتور القدسي طرح الثقة في مجلس النواب، لكن قيادة حزب الشعب ارتأت أنه لا لزوم لذلك لأن لدى الحزب أكثرية في مجلس النواب، وعليه، فطرح الثقة يأتي من قبيل تحصيل الحاصل.

على الأثر، ترأس الدكتور ناظم القدسي وفداً وزارياً زار كلاً من العراق والأردن والسعودية لشرح أسباب وأهداف مذكرته للاتحاد الفيدرالي العربي. وفي العراق جرت مداولات بينه وبين نوري السعيد، وهما اللذان تربطهما علاقة قديمة سبق ذكر أسبابها. ولقد  رحّب العراق بالمذكرة إلا أنه شكك بنجاحها. وفي الأردن قابل الدكتور القدسي الملك عبد الله الذي لم يرحب بالمذكرة لطموح شخصي له في حكم سورية، وبخاصة، أن أخاه فيصل كان ملكاً سابقاً عليها. غير أن الملك عبدالله أُعجِب بثقافة رئيس الوزراء السوري وحديثه، مثلما أعجب كل من الزعيم إبراهيم هنانو والرئيس روزفلت والبانديت نهرو بتلك الخصائص قبله، وذكر الملك عبد الله ذلك في مذكراته.

وأما في السعودية، فعلى الرغم من الزمالة الجامعية التي جمعت الدكتور ناظم مع الشيخ يوسف ياسين، ناظر الخارجية السعودية، وأيضاً العلاقة الشخصية بينه وبين الأمير (لاحقاً الملك) فيصل بن عبد العزيز آل سعود التي تكوّنت في مؤتمر سان فرانسيسكو، كان هناك تصوّر عند القيادة السعودية بأن حزب الشعب ملتزم نهائياً مع الهاشميين في العراق والأردن بسبب المصالح التجارية والاقتصادية مع هاتين الدولتين المتجاورتين. ولكن بعد أربع جلسات خلال أربعة أيام مع الملك عبد العزيز، تمكن الدكتور ناظم من إقناع الملك عبدالعزيز وتعهّد أمامه، بأن سورية ستبقى دائماً "جمهورية" ولن تتبع أو تندمج مع أي نظام ملكي (في إشارة إلى العراق). وعندها تغيّرالموقف السعودي، فأقام ولي العهد الأمير (الملك لاحقاً) سعود بن عبد العزيز وليمة على شرف رئيس الوزراء السوري، واستبقاه الملك عبد العزيز لمدة أربعة أيام ووضع بتصرّفه طائرته الخاصة لأداء مناسك العمرة في مكة والمدينة المنورة. واستمرت هذه العلاقة مع مؤسس  المملكة في عهد أبنائه الملك سعود والملك فيصل والملك خالد والملك فهد وولي عهده الأمير عبد الله حتى، وفاة صاحب الترجمة عام 1998. وللعلم، كان هذا اللقاء هو الوحيد مع الملك عبد العزيز لكنه ترك في نفسه أثراً كبيراً.  ومن جملة الأحاديث معه، نقل الدكتور ناظم إليه ما سمعه من الرئيس فرانكلين روزفلت عن لقائه مع الملك عبد العزيز ومشاعره وانطباعاته عنه.

بعد عودة الدكتور ناظم القدسي إلى دمشق، وقع حادث اغتيال قائد سلاح الطيران العقيد محمد ناصر، فاستدعى اللواء أنور بنود قائد الجيش واللواء شوكت شقير رئيس الأركان، اللذين اتهما العقيد الشيشكلي بتدبير الاغتيال، وعندها طلب منهما إقالة الشيشكلي ولكن الردّ جاء بأنهما لا يستطيعان ذلك لأنه أقوى منهم في الجيش. في ضوء هذا الوضع، قدّم استقالته من رئاسة الحكومة لرئيس الجمهورية، وكذلك قدّم الكيخيا استقالته من رئاسة المجلس. 

بعد ذلك، أثناء إقامة الدكتور ناظم في فندق الأوريان بالاس بدمشق جاءه ضابط بزيّ مدني ليقول أنه منتدب من العقيد أديب الشيشكلي، عارضاً أن يقوم الشيشكلي بانقلاب يتولى بموجبه صاحب الترجمة رئاسة الجمهورية ويتولى الشيشكلي رئاسة الوزراء. فطلب منه صاحب الترجمة نقل رسالة شديدة اللهجة والمضمون بأنه "على أديب الشيشكلي التخلّي عن أحلامه التي تدمّر الوطن"، فانصرف الضابط بانزعاج شديد.  

مع هذا، وباعتبار أن حزب الشعب صاحب الأكثرية النيابية، قرّر الحزب مجدّداً ترشيح الدكتور ناظم لرئاسة مجلس النواب وهذا ما حدث فعلاً في آواخر 1951. من جهة ثانية، كلف هاشم الأتاسي خالد العظم بتشكيل الوزارة مرة ثانية. وبعد أسبوع واحد من تولّي العظم رئاسة الوزارة، ومن دون الرجوع إلى مجلس الوزراء ورئيس الجمهورية، بعث رئيس الوزراء الجديد بكتاب باسم الحكومة السورية إلى الجامعة العربية يطلب فيه سحب وإلغاء مشروع الاتحاد الفيدرالي العربي الذي قدّمه سلفه، اي الدكتور ناظم القدسي وكان هذا سبب الجفاء بين الرجلين، إذ اعتبر الأخير أن العظم يتصرّف دائماً بدوافع المصلحة الشخصية لا المصلحة الوطنية في الدفاع عن سورية بعد هزيمة الجيش السوري في "حرب فلسطين" 1948.

حكومة العظم لم تعمّر طويلاً، فحلّ محله في رئاسة الوزارة حسن الحكيم، ثم زكي الخطيب، وأخيراً معروف الدواليبي ليوم واحد. إذ نفّذ أديب الشيشكلي انقلابه على الحكم المدني، وبتشجيع ودعم مالي من الخارج، وذلك في 30 تشرين الثاني 1951. وفي تلك الليلة، أقدم الضابط في الشرطة العسكرية عبد الحق شحادة، وهو في حالة سكرٍ شديدة، على اقتحام غرفة الدكتور ناظم في فندق "أورينت بالاس"، فواجهه بالقول "أنك تتصرّف باقتحامك هذه الغرفة في منتصف الليل وكأنك حرّرت فلسطين".

وعلى الأثر، أودع الدكتور ناظم المستشفى العسكري بسجن المزّة، بينما غادر هاشم الأتاسي القصر الجمهوري إلى منزله في حمص. وبعد عشرة أيام أُطلِق سراح الدكتور القدسي وأقتيد إلى رئاسة الأركان، بعدما أصَّر الشيشكلي على مقابلته. وهناك قدّم له سيجارة وسأله عن حاله، فأجابه بأن لا يسأل عن الحال الذي كان الشيشكلي المسبّب في سوءه. ومن ثم، غادر دمشق إلى حلب حيث وُضِع تحت الإقامة الجبرية مدة ثلاثة أشهر.

استمر حكم أديب الشيشكلي حوالي سنتين وشهرين، وكان واضحاً أنه يسير بسورية في الفلك الأميركي – السعودي، ولذا، لم يسكت العراق على ذلك طويلاً. وحقاً، في منتصف عام 1953 أتى رشاد جبري إلى حلب ودعا رشدي الكيخيا وناظم القدسي إلى اجتماع سياسي عقد في حمص، وحضره عدد كبير من السياسيين وجرى إبلاغهم بأن العراق جاهز لتقديم جميع أنواع المساعدة لقلب حكم الشيشكلي. هنا رفض الزعيمان الحليفان التعاون مع أي جهة خارجية، إلا أن عدداً كبيراً من السياسيين السوريين إنضموا إلى هذه الكتلة، بمن فيهم أعضاء بارزون في حزب الشعب يتقدّمهم رشاد جبري ومنير العجلاني ومعروف الدواليبي والدكتور عدنان الأتاسي (نجل الرئيس هاشم الأتاسي).

وفي آواخر عام 1953 بدأ التململ في الجيش، وصار الشيشكلي في عزلة عن الآخرين و محبطاً . ووسط هذه الأجواء دعا هاشم الأتاسي، بصفته الرئيس الدستوري للبلاد، إلى إجتماع السياسيين السوريين في منزله بحمص، شارك فيه حزب الشعب والحزب الوطني وحزب البعث وجماعة الإشتراكيين. وبعد هذا الاجتماع، اعتقل الشيشكلي الكثير من السياسيين بما فيهم رشدي الكيخيا، واتهمهم بأنهم يعملون مع العراق ضده.

وفي شباط 1954، بدأ العصيان العسكري المسلح في شمال شرق سورية، على الحدود مع العراق، وامتد إلى حلب، حيث أعلنت رئاسة الأركان في حلب عن مؤزارتها للسياسيين في قلب نظام حكم الشيشكلي العسكري. وبعد ذلك، طلبت قيادة الجيش في حلب من الدكتور ناظم القدسي تسلّم القيادة السياسية في حلب بصفته رئيس مجلس النواب الشرعي ورئيس أكبر كتلة نيابية، نظراً لأن رشدي الكيخيا مسجون في سجن المزّة. وفي مقر رئاسة الأركان بحلب، وحرصاً على حياة المسجونين السياسيين في دمشق و تفاديا لاراقة اية دماء، اتصل الدكتور ناظم بكميل شمعون، رئيس الجمهورية اللبنانية، طالباً منه إبلاغ الشيشكلي بأن أي مساس بالمسجونين السياسيين في سجن المزّة يمكن ان يؤدي من ذويهم إلى الانتقام من عائلته في مدينة حماه. وفي اليوم نفسه، أعلنت قيادة موقع حمص إنضمامها إلى حلب، فقرّر الشيشكلي مغادرة سورية حقناً للدماء في الجيش والوطن، وبالفعل، غادر إلى بيروت يوم 25 شباط 1954، ومنها إلى السعودية.

مباشرةً إثر هذه التطوّرات المتلاحقة، دعا الرئيس هاشم الأتاسي إلى اجتماع في بيته للمرة الثانية بحضور جميع السياسيين، وخاصة الذين أفرج عنهم، على رأسهم رشدي الكيخيا. واتفق السياسيون الحاضرون على عودة الحياة الدستورية كما كانت عليه، وكأن فترة حكم الشيشكلي لم تكن. وهكذا، عاد الرئيس الأتاسي لإكمال فترته الدستورية رئيساً للجمهورية والدكتور ناظم القدسي رئيساً لمجلس النواب. ثم اتفق الجميع على تكليف رشدي الكيخيا، كونه رئيس أكبر كتلة نيابية في مجلس النواب، وأيضاً لأنه رجل يثق به الجميع، بتشكيل الوزارة.

لم يقبل رشدي الكيخيا بذلك أول الأمر، إلا أنه بعد جهد جهيد أقنعه حليفه صاحب الترجمة بقبول تشكيل الوزارة.  ولكن بعد المداولات، تم الاتفاق على أن يكون رئيس الوزراء من العاصمة دمشق، ومن الحزب الوطني بالذات، فحصل التوافق على تكليف صبري العسلي بتشكيل الوزارة. 

في هذا الوقت، كان قادة القطاعات المتمرّدة في الجيش مجتمعين في قيادة الأركان، ومنهم ضباط من عائلة الأتاسي في حمص، فطلبوا من السياسيين أن يجتمعوا معهم في الأركان. رفض الدكتور ناظم وهدّد بأن حزب الشعب سينسحب من هذا الاجتماع ما لم يحضر قادة الجيش إلى بيت هاشم الأتاسي. وبما أن الجيش كان يكن احتراماً كبيراً لشخصية هاشم الأتاسي، جاء قادة الجيش إلى دار الأتاسي، حيث قدموا فروض الطاعة والولاء للمؤسسات الشرعية.

الدكتور ناظم القدسي عاد إلى دمشق بصفته الدستورية رئيساً لمجلس النواب، ودخل مجلس النواب عنوة وجلس في مكتبه في رئاسة المجلس. وفصل جميع النواب الذين شاركوا في الانتخابات غير الشرعية التي أجريت في عهد الشيشكلي، مُسقطاً عنهم عضوية مجلس النواب ومانعاً إياهم من الدخول للمجلس، بمن فيهم الدكتور مأمون الكزبري، رئيس المجلس في عهد الشيشكلي. وتشكلت الوزارة ، التي شارك فيها كل من حزب الشعب والحزب الوطني والمستقلون وحزب البعث والاشتراكيون. وبنهاية ذلك العام انتخب مجلس النواب مجدداً ناظم القدسي رئيساً له.

وفي عام 1954 انتهت الفترة الدستورية لمجلس النواب، وأجريت انتخابات نيابية جديدة. ويشار هنا إلى أن رشدي الكيخيا تردّد بعد الانقلابات العسكرية المتكرّرة في أن يرشح نفسه للانتخابات النيابية، لكن الدكتور ناظم أقنعه بأن وجوده على رأس كتلة نواب حزب الشعب ضرورة وطنية، فوافق. وفي الانتخابات، مع أن  حزب الشعب والحزب الوطني حازا على غالبية المقاعد فإن  حزب البعث العربي الاشتراكي – الذي تكون من اندماج حزب البعث العربي والحزب العربي الاشتراكي – زاد  من حجم تمثيله في المجلس، كذلك ازداد عدد النواب المستقلين وكتلة نواب العشائر.

وفي عام 1955 أُعيد انتخاب ناظم القدسي رئيساً لمجلس النواب للمرة الثالثة على التوالي. وخلال ذلك العام ترأس القدسي الوفد النيابي الذي زار يوغوسلافيا وعُقدت اجتماعات متعددة مع الرئيس جوزيف بروز تيتو.

خلال هذه الفترة، في الشرق الأوسط، صارت سورية الدولة - الساحة التي تتصارع فيها مصالح الاتحاد السوفيتي مع مصالح الدول الغربية، وخاصة بعد ظهور جمال عبد الناصر على الساحة العربية والدولية. وأيضاً، عام 1955 استكملت الفترة الدستورية للرئيس هاشم الأتاسي وبدأ مجلس النواب المنتخب في ذلك العام يحضّر لانتخابات رئاسية جديدة. واجتمع كل من كتلة النواب المستقلين والاشتراكيين والبعثيين والنائب الوحيد الشيوعي خالد بكداش، وقرّروا دعم رشدي الكيخيا وترشيحه لرئاسة الجمهورية. وبعد هؤلاء اجتمع المكتب التنفيذي لحزب الشعب وقرر بالإجماع ترشيح احد الزعيمين الكيخيا أو القدسي لرئاسة الجمهورية. إلا أن الكيخيا قال في ذلك الاجتماع أنه "في هذا الظرف العصيب، ونتيجة لفوز القوى الاشتراكية والبعثية بأكثر ممّا كان متوقعاً في الانتخابات النيابية الأخيرة، يجب على الاحزاب والشخصيات الوطنية المحافظة كحزب الشعب والحزب الوطني والعشائر والمستقلين ان يوحدوا جهودهم في مواجهة المد الاشتراكي الشيوعي في سورية". وبالتالي، اقترح على الحزب، نظراً لقوة الحزب الوطني في العاصمة دمشق، أن يدعم حزب الشعب ترشيح شكري القوتلي، زعيم الحزب الوطني وعميده. وبعد ذلك تكلم الدكتور ناظم القدسي معلناً عزوفه عن الترشح، ووافق على تحليل الكيخيا طالباً من المكتب التنفيذي للحزب الموافقة على دعم القوتلي. وبعد مداولات استمرت ثلاثة أيام، اعتمد حزب الشعب ترشيح القوتلي لرئاسة الجمهورية، وأوفد عضوه البارز وزير الدفاع رشاد برمدا لإبلاغ القوتلي بذلك.

ويوم الاقتراع رشّح النواب في حزب الشعب والحزب الوطني القوتلي وانضم إليهم بعض المستقلين والبعض من كتلة العشائر. ورشّح البعثيون والاشتراكيون والنائب وزعيم الحزب الشيوعي خالد بكداش، في المقابل، خالد العظم الذي كان يلقب في ذلك الوقت بـ"المليونير الأحمر" لقربه من الاتحاد السوفياتي. 

وعند انتهاء فرز الأصوات، حصل القوتلي على غالبية أصوات النواب إلا أنه لم يحظ بثلثي الأصوات حسب الدستور السوري، فرفع ناظم القدسي الجلسة للاستراحة على أن تعقد بعد مدة ساعة. عندها طلب أكرم الحوراني وخالد بكداش وصلاح البيطار الاجتماع مع رئيس المجلس في غرفته، وبحضور رشدي الكيخيا، لمحاولة إقناع أحدهما بقبول الترشح لرئاسة الجمهورية كـ"حلٍ وسط" بين الكتلتين. إلا أن الزعيمين الكيخيا والقدسي رفضا الفكرة، وشدّد الدكتور ناظم القدسي على ان الحزب اتخذ قرار بترشيح القوتلي ولن يحيد عنه. وفي فترة الاستراحة هذه جاء كتاب من القوتلي يطلب فيه سحب ترشيحه، ولكن بما أن الدستور السوري لم يشترط موافقة المرشح على الترشح لرئاسة الجمهورية لم يعطَ أية أهمية لهذا الكتاب، ولم يبلَّغ البرلمان بذلك. كذلك أثناء الاستراحة جاءت لصاحب الترجمة مكالمة هاتفية من شخص مجهول يدعى أنه أحد ضباط هيئة الأركان في الجيش يطلب دعم ترشيح خالد العظم، فأغلق سماعة الهاتف.

ثم في الدورة الثانية من الاقتراع انخفض عدد النواب الذين صوّتوا لخالد العظم، وحصل القوتلي على ثلثي عدد الأصوات. فذهب الدكتور ناظم مع رئيس الوزراء صبري العسلي إلى بيت القوتلي ليبارك له بانتخابه، فاستغرب الأخير الموقف لاعتقاده بأنه سحب ترشيحه وانتهى الأمر.

وبعد جلسة أداء القسّم قال القوتلي للدكتور ناظم أنه يود أن يكلفه بتشكيل الوزارة، فرد معتذراً ومبرّراً اعتذاره بأن وجوده على رأس مجلس النواب ضرورة لما يمثله هذا المجلس من تيارات سياسية مختلفة، ولأنه على علاقة ود واحترام مع جميع الكتل. ومن ثم، رشّح للمنصب فارس الخوري، الذي شكل أول وزارة في عهد الرئيس القوتلي. وكان هذا أول وآخر انتقال سلمي للسلطة السياسية في سورية.

 بعد هذا المفصل السياسي، وبتحريض من "المكتب الثاني" في الجيش، نظّمت مظاهرات ضد انتخاب شكري القوتلي. وفي العام نفسه اغتيل الضابط البعثي عدنان المالكي، واتُهم الحزب السوري القومي الاجتماعي، يومذاك، بهذا الاغتيال، فجرى تسريح عدد كبير من الضباط بتهمة الانتماء إلى الحزب المذكور.  كذلك، إتخذ حزب البعث، واليسار عامة، من هذا الاغتيال الحجة لكيل جميع أنواع تهم الخيانة والفساد للأحزاب والشخصيات الوطنية السورية والطبقة التجارية الصناعية.

وفي عام 1955 طلب عدنان مندريس، رئيس وزراء تركيا، زيارة سوريا، فخاف رئيس الوزراء السوري فارس الخوري من ردة فعل الاشتراكيين، إلا أن الدكتور ناظم القدسي أقنعه إصدار الدعوة وأقام له رئيس الجمهورية عشاءً تكريمياً في القصر الجمهوري.  لكن في هذه الفترة غدا الجيش منقسماً بين ضباط يمينيين وضباط يساريين، وزعم ان رئيس هيئة الأركان عفيف البزري كان ضابط شيوعي. وفي أوائل عام 1956، بدعوة من رئيس مجلس النواب زار سورية وفد من مجلس قيادة الثورة المصري برئاسة صلاح سالم، وكانت تلك مناسبة لاجتماع البرلمانيين السوريين مع ضباط من الجيش المصري الذين تركوا الجيش وانخرطوا في الحياة السياسية بعد ذلك.

أيضاً، في أوائل عام 1956 دعى الرئيس القوتلي إلى بيته كلاً من الدكتور ناظم بصفته رئيس مجلس النواب ورئيس الوزراء صبري العسلي وسعيد الغزّي وعبد القادر أسود، رئيس المحكمة العليا، وقال أن وضعه الصحي ما عاد يسمح له بالاستمرار في الرئاسة، وبالتالي، فإنه سيغادر إلى أوروبا لمدة شهرين لتلقي العلاج. ولمّا قدم كتاب الاستقالة إلى الدكتور ناظم خلال الاجتماع، قال أنه وفق الدستور يجب عرض هذه الاستقالة على مجلس النواب. وهنا سكت الجميع وتمنوا له الصحة والتوفيق في الرحلة العلاجية، إلا أن الدكتور ناظم قال له أن ظروف البلد تتطلب منه البقاء في الرئاسة، وأكمل "ولذا، إذا استقلت فأنت جبان"، ومزّق كتاب الاستقالة، فقام الرئيس القوتلي وعانقه والدمع في عينيه وسحب كتاب الاستقالة. لكن عندما سمع النواب بما حصل خلال ذلك الاجتماع اعترض النواب الاشتراكيون وبعض المستقلين من منطلق أنه ليس من حق رئيس مجلس النواب رفض الاستقالة، بل كان يجب عرضها على المجلس. وجاء رد رئيس مجلس النواب عبر إجابة قانونية بحتة، قائلاً أنه لم يرفضها بل أقنع الرئيس بسحبها.

في أي حال غادر القوتلي إلى أوروبا في رحلة علاج استغرقت شهرين، وحسب الدستور كلف الدكتور ناظم القدسي، بصفته رئيس مجلس النواب، بمهام رئاسة الجمهورية. وما حصل أن القوتلي سافر منذ انتخابه وحتى قيام الوحدة عام 1958 ما لا يقل عن 8 رحلات، وجميع كتب التكليف موجودة في هذا الموقع. وفي كل مرة كان الدكتور ناظم يقوم مقامه في القصر الجمهوري ويؤدي المهام المنوطة برئاسة الجمهورية.

لبى الرئيس شكري القوتلي الدعوة لزيارة موسكو عام 1956.  وفي صباح يوم سفره بدأ "العدوان الثلاثي" (الفرنسي – البريطاني – الإسرائيلي) على قناة السويس، فانتقل الدكتور ناظم القدسي للإقامة في القصر الجمهوري وأعلن عن عقد اجتماعات مفتوحة للحكومة في القصر الجمهوري. كذلك، أبرق إلى الرئيس جمال عبد الناصر بأن سورية مستعدة للدخول في الحرب مساندة لمصر بكل إمكانياتها العسكرية والبشرية. وطلب أيضاً الاجتماع مع هيئة الأركان في الجيش السوري في القصر الجمهوري، وبعد المداولات قالوا أنهم وضعوا الجيش في حالة استنفار قصوى، وأنهم مستعدون لتنفيذ القرار السياسي بدخول الحرب إلى جانب مصر والهجوم على إسرائيل.  

أيضاً، في ذلك اليوم، أعلن المكتب الثاني في الجيش بقيادة عبد الحميد السراج عن تفجير أنابيب البترول التي تمرّ في سورية من دون علم ومعرفة القيادة السياسية، وهذا مع أن رئيس الوزراء صبري العسلي كان قد أعطى ضمانات للسفير البريطاني في دمشق بأنه يضمن عدم تأثر أنابيب البترول بالأحداث الجارية.

وإبان الأزمة، اتصل كميل شمعون، رئيس جمهورية لبنان، بالدكتور ناظم في القصر ليدعو سورية إلى مؤتمر قمة عربي فقبل الدعوة باسم سورية وذلك قبل عودة الرئيس القوتلي من موسكو.  وتألف الوفد السوري من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس الوزراء. كذلك حضر الملك سعود إلى دمشق بالطائرة وذهب الجميع إلى بيروت. في حين ترأس نائب رئيس الوزراء العراقي توفيق السويدي وفد بلاده، حضر محمود رياض السفير المصري في دمشق – يومذاك – ممثلاً القيادة في مصر.

الدكتور ناظم القدسي اصطدم مع الوفد العراقي عند بحث موضوع قطع أنابيب البترول، وهدّد بالانسحاب من الاجتماع ما لم يقطع البترول عن الدول الغربية. فبادر كل من الملك سعود ومحمود رياض إلى تهنئته على هذا الموقف، وخاطبه الملك سعود قائلاً أن في المملكة اعتقاداً بأن حزب الشعب من مؤيدي العراق ولكن الآن قد تحقّق من عدم صحة ذلك، ودعاه لزيارة المملكة. كذلك قال له القوتلي "لقد شرفت سورية بموقفك هذا"، بينما نشرت الصحف اللبنانية تصريحات القدسي العلنية في مؤتمر القمة في ذلك الوقت.

وفي العام  ذاته أعلن المكتب الثاني في الجيش السوري عن "اكتشاف" مؤامرة أميركية - عراقية لقلب نظام الحكم في سورية، واتُّهم بالتورط فيها ساسة من كل الأحزاب، وأيضاً عدد من العسكريين. وبدأت المحكمة العسكرية بمحاكمة المتهمين بالمؤامرة، وصدرت الأحكام بالإعدام على بعض منهم حين كان الرئيس القوتلي ما زال خارج سورية. لكن القدسي استدعى إلى القصر الجمهوري حامد الخوجة، وزير الدفاع بالنيابة، - نظراً لكون خالد العظم وزير الدفاع - في زيارة إلى موسكو، وطلب منه ألا يصادق على أحكام المحكمة العسكرية إلى حين عودة وزير الدفاع. ولدى عودة العظم قال علناً انه لم يصادق على أحكام الإعدام ولكن الحقيقة أن الرئيس القوتلي أمره بذلك، وقال سيصدر عفواً عاماً عن جميع المحكومين بالإعدام. وعندها زار الرئيس الأسبق هاشم الأتاسي وطمأنه بأن ابنه عدنان الأتاسي، المتهم الأساسي في تلك المؤامرة، لن يُعدَم. وفي أواخر عام 1956 أعيد انتخاب ناظم القدسي رئيساً لمجلس النواب للمرة الرابعة على التوالي.

قبل ذلك، في عام 1955، كتبت صحيفة "الرأي العام" الدمشقية، التي يرأس تحريرها الاستاذ أحمد عسة، تحقيقاً مفاده أن رئيس مجلس النواب الدكتور ناظم القدسي طلب من بلدية حلب شق طريق أمام أرض تمتلكها زوجته من أجل رفع سعر الأرض وتحسين المنطقة.  وفي أول جلسة نيابية تنازل القدسي عن سدة الرئاسة، وطلب من مجلس النواب اعتباره متهماً في هذه القضية وإرسال لجنة نيابية للذهاب إلى حلب والتحقيق في هذا الاتهام. وفعلاً، ذهبت اللجنة وحققت مع عدد كبير من موظفي بلدية حلب، وتبين لهم كذب ذلك الادعاء.  ومن ثم، عادت اللجنة النيابية لتفيد المجلس بنتيجة التحقيق، فاتخذ المجلس قراره ببراءة رئيس المجلس من هذا الاتهام.  على الأثر عاد القدسي عندها إلى سدة الرئاسة، وقال أنه يتنازل عن حقه في مقاضاة رئيس تحريرها أحمد عسة مكافأة له على حرصه على المال العام وحفاظاً على حرية الصحافة التي كفلها الدستور السوري.

أيضاً، عام 1955، وبينما كان القدسي عائداً من حلب إلى دمشق بسيارة رئيس المجلس الحكومية، ولكن برقم خاص، يرافقه ابنه فيصل، تعرّض لحادث سير مؤلم قرب مدينة حسياء ولم يكن لسائقه الحكومي أي ذنب في ذلك.  انتظر الجميع هناك لمدة ساعتين حتى أتت دورية الدرك وحقّقت في الموضوع. ومن ثم أمر السائق بالبقاء رهن التحقيق موقوفاً في سجن حسياء. ولما كان الوقت يقارب منتصف الليل، وتعذّر على رئيس المجلس إيجاد سيارة أجرة تقله إلى دمشق مع ابنه، عرض عليه سائق شاحنة مارة في المكان أن يأخذه إلى دمشق فوافق. وبالفعل، وصلت الشاحنة وهو بداخلها ومعه ابنه فيصل إلى أمام فندق الأوريان بالاس عند الصباح، ونزل منها أمام دهشة وذهول جميع الموجودين أمام الفندق بمن فيهم حرس الفندق والموظفين. وفي اليوم التالي، أطلق سراح السائق لثبات عدم مسؤوليته عن الحادث.

كذلك، خلال 1955، كان "حلف بغداد" قد أسس ودعا العراق الدول العربية للانضمام إلى هذا الحلف.  بيد أن الرئيس المصري جمال عبد الناصر عارض انضمام أية دولة. وبالتالي، بدأ نواب حزب البعث والنواب الاشتراكيون يحركون الشارع بالمظاهرات ضد الحلف، ويتهمون اليمين السوري - تلميحاً وتصريحاً - بسعيه إلى جرّ سورية إليه.

 الوحدة الفورية الاندماجية مع مصر

بحلول عام 1957 كانت الإشاعات تسري مشيرة إلى أن الشيوعيين يتأهبون لقلب نظام الحكم، لا سيما، وأن عفيف البزري، رئيس الأركان، زعم انه كان محسوباً على الحزب الشيوعي. ولكن، تبين في ما بعد أن هذه الإشاعات كان يروّجها المكتب الثاني في الجيش بتوجيه من السفارة المصرية، وبمساعدة الاستخبارات الأميركية.

  قبلها في عام 1956 لبىّ الدكتور ناظم القدسي دعوة الرئيس عبد الناصر وترأس وفداً نيابياً إلى القاهرة. وبعد الاجتماعات العامة مع الوفد طلب الرئيس المصري الاجتماع منفرداً بالدكتور ناظم، واستغرق الاجتماع حوالي ثلاثة ساعات، ودار الحديث حول اتحاد فيدرالي بين سورية ومصر. عبد الناصر كان متحفّظاً جداً في هذا الموضوع، وقال للدكتور ناظم "هل تريد أن تنقل جرثومة الانقلابات إلى الجيش المصري". وأيضاً في ذلك العام، تلقى صاحب الترجمة، بصفته رئيس مجلس النواب، دعوة من الاتحاد السوفياتي له ولوفد نيابي لزيارة موسكو. لكنه إعتذر عن تلبية الدعوة وكلف نائب رئيس المجلس رفيق بشّور بالقيام بهذه الزيارة على رأس الوفد. 

كما سبقت الإشارة، خلال الفترة التي سبقت الوحدة وخاصة 1956 و1957، وبعد اكتشاف المؤامرة الأميركية – العراقية، دأب الاشتراكيون والبعثيون على اتهامهم ما كانوا يسمونه باليمين السوري الممثل من حزب الشعب والوطني والعشائر والمستقلين بالخيانة والتعامل مع الدول الأجنبية في صحفهم وخطاباتهم، وانخفض مستوى مداولات النواب في مجلس النواب بين اليمين واليسار. وعندها، ألقى رشدي الكيخيا، زعيم حزب الشعب، خطابه المشهور في مجلس النواب موجهاً فيه كلامه إلى القيادي الشيوعي خالد بكداش واليساريين من النواب، قائلا "اننا لا نحتاج الى شهادتكم في الوطنية ، فحين كنا نقاوم الاستعمار الفرنسي في سبيل استقلال سورية وتعرضنا للمنافي والسجون لم يكن للبعث او الاشتراكيين اي وجود في الساحة السياسية"، ثم قدم استقالته من مجلس النواب من دون استشارة ناظم القدسي والمكتب التنفيذي للحزب ورفضت لاحقا بالاجماع في الجلسة التالية.

  وفي أواخر عام 1957، عند انتخابات رئاسة مجلس النواب السنوية رشح أكرم الحوراني نفسه لرئاسة المجلس بدعم من كتلة اليسار في المجلس، تغيّب عدد من النواب المستقلين عن جلسة الانتخاب هذه تحت ضغط المكتب الثاني برئاسة عبد الحميد السراج، ففاز الحوراني برئاسة مجلس النواب بنتيجة 63 مقابل 57 صوتاً ، فهنأه الدكتور ناظم وعاد إلى مقعده كنائب في المجلس الذي هو جزء لا يتجزأ من العملية الديمقراطية العزيزة جدا على تفكيره ومعتقداته .

وفي أواخر ذلك العام أيضاً، ذهب وفد من ضباط الجيش لمقابلة الرئيس المصري جمال عبد الناصر وطلب الوحدة الفورية الاندماجية مع مصر، واللافت أنه فعل ذلك من دون علم السلطة السياسية السورية بذلك.  الرئيس عبد الناصر رفض فوراً طلب الضباط، وطلب منهم أن يأتي وفد عسكري رسمي بموافقة السلطة السياسية على أن يرأس الوفد وزير الدفاع. وعندما علمت السلطة السياسية بسفر هذا الوفد من دون علمها قرّرت إرسال وفد عسكري برئاسة وزير الدفاع خالد العظم، الذي رفض الذهاب في أول الأمر. إلا أن المكتب الثاني في الجيش، برئاسة عبد الحميد السراج، هدّد العظم بالقتل في حال رفضه الذهاب، فذهب.

أثناء اللقاء مع الوفد السوري، فرض الرئيس عبد الناصر شروطه وأبرزها حلّ جميع الأحزاب السورية ومنع تدخل الجيش في السياسة، واستقالة الضباط الذين يرغبون في العمل السياسي من الجيش، وتصويت مجلس النواب على الوحدة وحلّ نفسه، ومن ثم يستفتي الشعب على مشروع الوحدة الاندماجية.

تمّت لعبد الناصر جميع الشروط، وأُعلنت الوحدة بين سورية ومصر، وأصبح اسم الدولة "الجمهورية العربية المتحدة". وقدّم الرئيس السوري شكري القوتلي استقالته إلى مجلس النواب. وصوّت مجلس النواب موافقاً بالإجماع على الوحدة الاندماجية، باستثناء خالد العظم وخالد بكداش، زعيم الحزب الشيوعي السوري، الذي غادر المجلس إلى المطار مباشرة، ولم يعد إلى سورية طوال مدة الوحدة.

وفي هذه الأثناء، قال شكري القوتلي للدكتور ناظم القدسي بأنه نصح الرئيس عبد الناصر بتعيينه نائباً للرئيس في سورية.  وقبل إعلان الوحدة أتى هاتف من السفارة المصرية في دمشق إلى الدكتور ناظم في حلب ليعلمه أن الرئيس يرغب في مقابلته في دمشق.  وعقد الاجتماع في قصر الضيافة لمدة ساعة. وخلاله قام الرئيس من كرسيه وأشعل السيجارة لضيفه الذي قال له لقد أخجلتم تواضعي بتواضعكم الجمّ.  بعدها طلب الرئيس عبد الناصر من ضيفه النصيحة، فقال له صاحب الترجمة أن التأييد الشعبي الذي حصل عليه عبد الناصر في سورية لم يحصل عليه أحد في تاريخ سورية الحديث، وأن السوريين يحبون المبادرة الفردية، ليس فقط في حياتهم الاقتصادية، ولكن حتى في حياتهم السياسية.  وقال له أن الأمور اليومية السياسية والاقتصادية إذا لم تسِر كما يتوقعون قد ينقلب هذا التأييد إلى نقمة سريعة. ثم ودع الرئيس عبد الناصر الدكتور ناظم إلى باب المكتب، وأثناء خروجه وجد أكرم الحوراني وعبد الحميد السراج في الانتظار في الغرفة الثانية. وكما هو معروف، فقد تم تعيين أكرم الحوراني نائباً للرئيس ومركزه الإقليم الجنوبي، أي القاهرة. وبقى الحليفان ناظم القدسي ورشدي الكيخيا عدة أيام في دمشق بعد إعلان الوحدة، ثم غادراها إلى حلب، وتم حل حزب الشعب رسمياً في شباط عام 1958.

كان من الواضح للجميع أن الرئيس عبد الناصر واقعٌ تحت تأثير نصائح عبد الحميد السرّاج، خاصةً بعد اكتشاف المؤامرة على حياته، المحبوكة من المكتب الثاني السوري والذي خدع لتمويلها الملك سعود شخصياً.  ولقد قرر التعاون مع حزب البعث الاشتراكي وضباطه في الجيش السوري.

وهكذا عاد الدكتور ناظم القدسي إلى حلب، للعمل في الزراعة التي هي عشقه منذ الصغر. وهناك أتاه عرض من الرئيس عبد الناصرعن طريق صديقه وزميله في حزب الشعب عبد الوهاب حومد، الاشتراكي الميول، والذي أصبح وزيراً للمال في حكومة الوحدة من الرئيس عبد الناصر،  أن يكون المستشار الشخصي لولي عهد اليمن الإمام البدر نظراً للصداقة الشخصية بين الدكتور القدسي والإمام البدر. وكانت "الوحدة الثلاثية" قد قامت مع اليمن. إلا أن صاحب الترجمة اعتذر عن قبول هذا المنصب لعدم رغبته في مغادرة سورية.  ثم بعد ذلك بقليل اتصل به بنك انترا في لبنان، الذي كان يؤسس بنك العالم العربي في سورية في ذلك الوقت ليتعاون معهم في تأسيس البنك. وبعد مفاوضات قصيرة مع البنك والمؤسسين السوريين أصبح مؤسساً معهم لبنك العالم العربي وعضواً في مجلس الإدارة. ومن ثم، انتخبه مجلس الإدارة رئيساً لمجلس الإدارة ورئيساً تنفيذياً للبنك في أواخر عام 1958، وبقى في هذا المركز لحين انتخابه لرئاسة الجمهورية.

بالمناسبة كان ناظم القدسي، طوال السنوات الثلاثين السابقة يسكن في دار كبيرة بحي الجميلية في حلب استأجرها من خالته المتزوجة من عائلة إبراهيم باشا. ولقد أعلمته أن لها رغبة في بيع البيت عام 1957، وقال له ابن عمه نادر القدسي أن جاره يريد أن يبيع بيته الملاصق لبيت نادر القدسي في حي المحافظة في حلب ونصحه بشرائه. وتم الاتفاق على السعر، ولكن قبل توقيع عقد الشراء سأل الدكتور ناظم مالك البيت "أرجو أن لا تكون مرغماً على بيع البيت، فأجابه بلىَ، أنا مرغم لأني بحاجة إلى مال لكوني أريد أن أذهب إلى الكويت وأعمل في التجارة". عندها قال له الدكتور ناظم "أنا أعطيك المبلغ المتفق عليه، وبدون فائدة، وترهن لي البيت لمدة ثلاثة سنوات وأسكنه بدون إيجار. وبعد ذلك إذا وفّقك الله تردّ لي المال وأردّ لك البيت خلال مدة ستة أشهر". فلم يصدق مالك البيت ما سمعه، ولكن هذا الذي حدث.  وبعدما تمت عملية الرهن، وسكن البيت، أعطاه الدكتور القدسي كتاب توصية لكي يأخذه إلى صديقه أمير الكويت الشيخ عبد الله السالم الصباح، وبنتيجة هذا الكتاب أصبح شريكاً لأصدقاء أمير الكويت من عائلة البهبهاني ومليونيراً، كما سنرى فيما بعد. ومن ناحية ثانية، عند توقيع العقد قال ابن عمه نادر "كيف تفعل ذلك؟! لقد جلبت لك صفقة العمر لكي نكون جيراناً ... فكيف تضيع شراء البيت من يدك؟ فأجابه الدكتور ناظم "أنا لا أشتري بيتاً وأسكن فيه، عندما أعلم أن صاحبه يبيعه مرغماً لضيق اليد

في أي حال، خلال أعوام الوحدة كان الدكتور ناظم القدسي يبادر بإرسال برقيات المعايدة إلى الرئيس عبد الناصر في المناسبات الدينية والوطنية، ويأتي الرد برقياً من دون تأخير. وفي شهر آب من كل عام كان الدكتور ناظم يرسل سلة كبيرة من الفستق الحلبي المقطوف حديثاً من أشجار بساتين حلب إلى الرئيس عبد الناصر الذي كان يبادره بسلة كبيرة من المانجا المصرية الخضراء. أيضاً، إبان أعوام الوحدة كانت توجّه إليه الدعوات الرسمية لحضور احتفالات أعياد الجلاء وافتتاح المشاريع الكبيرة في دمشق وحلب.

وعام 1959 عيّن طاهٍ مصري الجنسية، اسمه الشيف حسن، في دار الدكتور ناظم القدسي بحي المحافظة في حلب والتي كانت داراً مفتوحة لكل زائر وخاصة من العاملين في مزارع العائلة في حلب. وكان هناك إستقبال مساء كل يوم خميس حين كان يستقبل زواره من العائلة والمؤيدين من عامة الشعب، ومن أصدقائه وزملائه في حزب الشعب وكبار السياسيين السابقين في حلب. وكان الشيف حسن يصرّ على فتح باب البيت علماً أنه كان هناك أشخاص مسؤولين عن هذه المهمة.  وبعد ذلك تبين أن الشيف حسن يحمل رتبة ملازم أول في جهاز المخابرات المصرية وذلك حين التجأ إلى الأمن العام لترحيله بعد حدوث الانفصال عن مصر. 

وفي خلال أعوام الوحدة حدثت فترة جفاف وقلة أمطار خلال مدة ثلاثة سنوات مما كان له أثر كبير في قطاع الزراعة في سورية. وفي عام 1959 تم إصدار قانون الإصلاح الزراعي، وقام الوزراء الاشتراكيون في وزارة الوحدة بتطبيقه بنزعة انتقامية مع أصحاب الأملاك الزراعية.

وبدأت أجهزة الدولة من المخابرات ووزارة الإصلاح الزراعي تؤلب صغار المزارعين على مالكي المزارع الكبيرة للتعدي عليهم وعلى أملاكهم. وبعدها توالت القوانين الاشتراكية في تأميم الشركات الكبيرة وتعريب البنوك العاملة في سورية. والجدير بالذكر، أن قانون التأميم أوجب دفع قيمة الأملاك المؤممة بسندات على الدولة تدفع خلال سنوات.  ولكن إلى هذا التاريخ لم تدفع الدولة أية تعويضات على الشركات المؤمّمة، ما يعني أن قوانين التأميم والإصلاح الزراعي هي قوانين مصادرة أموال التجار والصناعيين والمزارعين والكم الكبير من صغار المدّخرين السوريين الذين اشتروا أسهماً من مدخراتهم في الشركات التي اصبحت مؤممة، أو بالأحرى، مُصادَرة. كذلك جرى تعيين مدراء من موظفي الدولة والضباط غير المرغوب فيهم في الجيش للشركات المؤمّمة فتحولت من شركات رابحة إلى شركات خاسرة في مجملها. 

وازدادت نقمة الشارع السوري بجميع طبقاته الاجتماعية والاقتصادية على الدولة في عهد الوحدة، وخاصة صغار المزارعين الذين استلموا أراضي الملاكين الكبار ولكن لم يكن لديهم الإمكانيات المادية لزراعة هذه الأراضي وانتظار الموسم خاصة بعد إنقطاع العلاقة المادية مع المزارعين الذي كانوا يعملون لديهم.  وانقطاع الأمطار يعني ضياع المواسم الزراعية في أعوام الوحدة.  وفوق كل ذلك، كانت القبضة الحديدية لجهاز المباحث السياسة برئاسة عبد الحميد السراج كالصخر الثقيل الجاثم على أجساد جميع السوريين.

وفي عام 1961 بدأت استقالات الوزراء السوريين من حزب البعث ومن الاشتراكيين، الذين في أغلبهم كانوا ضباط سابقين في الجيش، تتوالي الواحدة تلو الآخرى من وزارة الوحدة. وفي تلك الأثناء ازدادت خطابات الرئيس عبد الناصر حِدّة وتطرّفاً ضد من يصفهم باليمين السوري الممثل من الصناعيين والتجار وكبار المزارعين و الأعضاء السابقين من الأحزاب المحافظة المنحلة كحزب الشعب والحزب الوطني، وكان يرمي قادته بالخيانة وأنهم أعوان الاستعمار وسيدوسهم بالجزم. ولكن ناظم القدسي وزعماء حلب السياسيين كانوا لا يزالون يتوافدون للسلام على الرئيس عبد الناصر عند زياراته لحلب. ولكن في عام 1961، وخاصة بعد خطاب الرئيس عبد الناصر في اللاذقية عن الاستعمار وأعوانه في سورية، نظراً للفوضى القائمة في حلب، لم يُحدَّد وقت لهم لزيارة الرئيس في مقر إقامته. وفي اليوم الثاني، صدرت الصحف الحكومية بعناوين تقول أن اليمين السوري لم يأت للسلام على رئيس الجمهورية. وبعد انتهاء الزيارة إتصل الدكتور ناظم هاتفياً بمحافظ حلب رفعت زريق، وقال له بلهجة عالية النبرة أنه "من المعيب أن تقولوا أننا لم نستقبل الرئيس في حين أننا مُنعنا من الزيارة".

النقمة الشعبية على عبد الناصر كانت متعدّدة الأسباب ومتعدّدة الأطراف. فأكرم الحوراني، الذي كان يعتقد نفسه أنه النجم الساطع في سماء الوحدة والذي كان نائباً لرئيس الجمهورية ومركزه في القاهرة، تعرض للإهمال هناك ولم يُعطَ أية صلاحيات، فاستقال وأصبح يكره الوحدة وعبد الناصر بالذات لأسباب محض شخصية. والضباط السوريون الذي أخذهم الرئيس عبد الناصر إلى مصر، و أغلبهم من الريف السوري، أخذوا يتذمّرون لشعورهم بأنهم  يُعامَلون كضباط من الدرجة الثانية أمام الضباط المصريين.

وفي منتصف عام 1961، أقال الرئيس عبد الناصر عبد الحميد السرّاج من الحكومة وعيّن المشير عبد الحكيم عامر نائباً لرئيس الجمهورية في سورية. وكان الدكتور ناظم في عمله رئاسة مجلس الإدارة في بنك العالم العربي ويداوم في الإدارة العامة للبنك في دمشق حيث يمضي مدة أسبوعين كل شهر.  وفي صيف ذلك العام أتاه صديقه وزميله السابق في حزب الشعب، الذي كان وزير المالية في حكومة الوحدة، الدكتور عبد الوهاب حومد إلى فندق الأوريان بالاس ليبلغه بأنه يريد الاستقالة لأنه لا يريد أن يتحمل مسؤولية القرارات الاقتصادية الخاطئة أمام الشعب السوري، فنصحه بالتريث قليلاً حتى تتبلور الأمور أكثر. 

وبعد إصدار قانون تعريب البنوك، أخذت الأوساط المصرفية تتذمّر من الأوضاع الاقتصادية في البلاد، وبدأت هجرة رؤوس الأموال السورية إلى لبنان. وغادر كثيرون من كبار التجار والصناعيين من جميع المدن السورية إلى الدول المجاورة كلبنان والأردن وتركيا.  وفي أواخر صيف 1961 بلغ التذمّر السوري من الوضع العام أشده، وكان الجميع يتوقّع حدوث تغييرٍ جذري، سلمياً أو بانقلاب. وصار الحديث على كل لسان يتمحور حول مَن سيقوم بالانقلاب ...هل عبد الحميد السرّاج وجماعته؟ أم حزب البعث الذي في الواقع لم يحل نفسه؟ أم الضباط السوريين الناقمين على الضباط المصريين في سورية؟؟.

الرئاسة

وفي صبيحة يوم 28 أيلول عام 1961 كان الدكتور ناظم القدسي مع زوجته في فندق الأوريان بالاس بدمشق عندما سُمع إطلاق الرصاص في العاصمة، والراديو يُطلق الموسيقى العسكرية والبيانات العسكرية الواحدة تلو الاخرى التي تعلن إنهاء الوحدة مع مصر.

لم يغادر الفندق في ذلك الصباح، إلا أنه وجد عدداً من النزلاء المصريين في بهو الفندق قلقين على أنفسهم وبحالة ذعر. فتكلم معهم وطمأنهم إلى أنه لن يحدث أي مكروه. وعند الظهيرة أُذيع البلاغ الرقم 9 والمتضمن مفاوضات إعادة الوحدة على أن يتعهّد المشير عامر بتلافي الأخطاء التي حدثت خلال تلك الفترة، خاصةً تمييزالضباط المصريين في الجيش. لكن الرئيس عبد الناصر رفض المفاوضات التي جرت بين الضباط  والمشير عامر، الذي غادر دمشق بعد ظهر ذلك اليوم على طائرة عسكرية، ورافقه طوعاً الفريق جمال فيصل قائد الجيش السوري. وبعد الظهر بدأت المظاهرات في دمشق تهتف بحياة السياسيين السوريين القدامى شكري القوتلي وصبري العسلي ورشدي الكيخيا وناظم القدسي وخالد العظم وآخرين.

وفي صبيحة اليوم الثاني للانقلاب عاد الدكتور ناظم القدسي وزوجته إلى حلب وبقى فيها. بينما طلب الجيش إلى جميع المصريين المقيمين في الإقليم الشمالي أن يتواجدوا في مركز قيادة الجيش في كل محافظة.  وطلبت قيادة الجيش من الزعماء السياسيين الاجتماع في نادي الضباط في دمشق للتداول في الوضع السياسي.

شارك في الاجتماع سياسيين من جميع الأحزاب ووقعوا على ما سمى بوثيقة الانفصال.  ورغم الضغوط عليهم من قبل قيادة الجيش وأعضاء في حزب الشعب، رفض رشدي الكيخيا وناظم القدسي الذهاب إلى دمشق وحضور الاجتماع في نادي الضباط. وباعتبار أن حزب الشعب تم حله، لم يسمح رشدي الكيخيا أو يمنع أفراد من الحزب حضور الاجتماع.  وقال الكيخيا كلمته الشهيرة "ان اليد التي وقعت على ميثاق الوحدة تُقطع قبل أن توقع على وثيقة انفصال الوحدة". 

و طلبت القيادة العسكرية من بعدها في حلب ايضاً الاجتماع بعدد كبير من السياسيين من جميع الأحزاب لشرح ما جرى وللتوقيع على وثيقة الانفصال كما حدث في دمشق فوقع الجميع ما عدا رشدي الكيخيا و ناظم القدسي كانا الوحيدين الذين لم يوقعا.

وفي ثاني يوم كلفت قيادة الجيش برئاسة اللواء عبد الكريم زهر الدين الدكتور مأمون الكزبري تأليف الوزارة.  وخلال الأسبوع الأول بعد الانفصال حضر ضابط من قيادة الأركان في حلب إلى منزل الدكتور ناظم ليقول أن هناك ضابطاً مصرياً برتبة ملازم أول إسمه حسن يقول أنه كان يعمل لدى ناظم القدسي كطاهٍ في بيته ويطلب حمايته، فطلب منهم حمايته وتكريمه إلى حين ترحيله إلى مصر.

وفي آواخر شهر تشرين الأول 1961 وصل إلى حلب بطائرة عسكرية قائد سلاح الطيران العميد موفق عصاصة وزار الدكتور ناظم القدسي في بيته ليشاوره في فكرة اعتقال رئيس الوزراء مأمون الكزبري وأيضاً قريبه المقدم حيدر الكزبري، كون الضباط تسلموا تقريراً من المخابرات عن علاقة مزعومة لهما مع جهات أجنبية والتي تبين فيما بعد انها غير صحيحة.  فنصح بأن ذلك سينعكس سلباً على الجيش، وبتكليف رئيس المحكمة العليا عبد القادر أسود بالقيام بمهمة رئاسة الوزارة حتى تاريخ إجراء الانتخابات النيابية، لكن القاضي أسود رفض، فتم تعيين الدكتور عزّت النصّ رئيساً لمجلس الوزراء. وقرّر مجلس الوزراء إجراء انتخابات نيابية في ١ كانون الآول ١٩٦١.  كذلك قرّر زعماء حلب السياسيين في كل من حزب الشعب المنحل والحزب الوطني المنحل التعاون بتأليف قائمة مشتركة اسمها "اللائحة القومية المؤتلفة" التي تشكلت من المرشحين في كلا الحزبين وبعض المستقلين، وذلك بالتشاور مع رشدي الكيخيا وناظم القدسي ومباركتهما. وللعلم، لم يقبل أي من الزعيمين الترشح للانتخابات النيابية في حين أن الشخص الثالث في الحزب، الدكتور معروف الدواليبي، رشح نفسه وترأس اللائحة. وبدعم وتأييد جميع الفعاليات التجارية والصناعية والزراعية في حلب، نجحت "اللائحة المؤتلفة" بأكملها ولم ينجح أي من الاشتراكيين أو البعثيين في حلب. وحقاً، كانت هذه الانتخابات هي الأكثر نزاهة لعدم تدخل الجيش أو المخابرات فيها. ونتيجة للنقمة الشعبية على المباحث تحت رئاسة عبد الحميد السراج فقد تم اعتقاله في سجن المزة العسكري. وكما في حلب، فاز ممثلو حزب الشعب  والحزب الوطني والأخوان المسلمين و المستقلين في جميع مدن سورية، مع قلة قليلة من البعثيين والاشتراكيين. وشكل ممثلو هذه الاحزاب  والعشائر الكتلة الكبرى في مجلس النواب الجديد

وقبل إعلان نتائج الانتخابات أتى وفد رفيع المستوى من قيادة الجيش وبصورة سرّيّة وفي منتصف الليل واجتمع مع رشدي الكيخيا في بيته في حلب مستمزجاً رأيه في قبول ترشحه لرئاسة الجمهورية.  فرفض ذلك بالمطلق، قائلاً أنه تقاعد من العمل السياسي منذ حل مجلس النواب. وعندما سألوه النصيحة أجابهم أن مجلس النواب قادر على أن ينتقي وينتخب الشخص الأكفأ لهذا المنصب، وعلى ضباط الجيش أن لا يتدخلوا في الأمور السياسية. فغادروا حلب بعد منتصف الليل. 

خلال هذه الفترة كان الدكتور ناظم القدسي لا يزال يسافر إلى دمشق لضرورة عمله في بنك العالم العربي. وكان بعض المدراء، وخاصة السيد حنين الترك، يأتي إليه ويقول أن هناك إشاعات قوية في دمشق أنه سينتخب لرئاسة الجمهورية ولن ينافسه أحد على هذا المنصب.  لكن رده كان دائماً أن لا رغبة له في ذلك.

ولكن بعد ظهور نتائج الانتخابات وسيطرة نواب الاحزاب التي حلت عام١٩٥٨وهي حزب الشعب والحزب الوطني مع العشائر على مجلس النواب، تم انتخاب الدكتور مأمون الكزبري رئيساً لمجلس النواب، وساعده في ذلك التأييد الشعبي له ودوره في إدارة البلاد بعد انفصال سورية عن مصر.وأتى معروف الدواليبي، بصفته أحد زعماء أكبر كتلة نيابية في المجلس، يطلب من رشدي الكيخيا موافقته على الترشح لرئاسة الجمهورية، وهو يعلم أنه لن يوافق. إلا أنه هذه المرة بادر بالقول أن مجلس النواب لن يُجمع على انتخاب أي شخص آخر غير رشدي الكيخيا أو ناظم القدسي.  فأصر رشدي الكيخيا على الرفض متعذرّاً بعمره وعدم إجادته اللغات، لكنه قال لناظم القدسي أن واجبه تجاه وطنه يفرض عليه قبول هذا المنصب، خاصةً، إذ كان متعذراً على مجلس النواب الإجماع على شخص آخر. وغادر معروف الدواليبي حلب على أن يجتمع مع ناظم القدسي في فندق الأوريان بالاس في دمشق بعد يومين. 

بدأت وفود النواب تتوافد على الفندق للإجتماع مع الدكتور ناظم القدسي معلنين تأييدهم له كمرشح وحيد لرئاسة الجمهورية. وفي هذه الأثناء أعلن خالد العظم، وقد أصبح نائباً في المجلس، رغبته بترشيح نفسه وبدعم من بعض اليمين الدمشقي والاشتراكيين في المجلس، و لكن كانت أكثرية النواب المكونة من حزب الشعب والمستقلين والعشائر ستصوت لناظم القدسي.

عندما أيقن انه سيخسر في الانتخاب، قرر العظم سحب ترشّحه لرئاسة الجمهورية، ووافق ناظم القدسي بالاحتكام إلى ضميره الوطني ونزل عند طلب رشدي الكيخيا وأكثرية نواب المجلس بالموافقة على ترشيحه لرئاسة الجمهورية. وفاز حقاً بأصوات النواب بما يشبه الاجماع في 14 كانون الأول 1961 إذ انتخب رئيساً للجمهورية حاصلاً على 153 صوتاً من أصل 172 صوتاً وهو مجموع عدد النواب في المجلس.

قبل موعد الانتخاب بأيام جلس ناظم القدسي في غرفته في الفندق يكتب خطاب القسم بنفسه وبدون أية مداخلة أو مشاورة أو نصيحة من أية جهة.  وعبّر في هذا الخطاب عن عقيدته السياسية من دون مواربة أو مداراة سياسية، لأنه ليس بحاجة لذلك، ولم يسعى إلى هذا المنصب، بل كان يعلم الصعوبات التي ستجابهه بما فيها من مخاطرة على حياته.  حتى مادياً كان الأفضل له البقاء في رئاسة بنك العالم العربي وهو الذي كان معروفاً عنه نظافة يده واستعمال ماله الشخصي والعائلي دعماً لعمله الوطني، ومن ثم السياسي، وخاصةً حينما كان سفيراً في واشنطن وعند استضافته لرجال السياسة السوريين والعرب والأجانب. وفواتير فندق الأوريان بالاس، مركز إقامته في دمشق في الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي، تشهد بذلك.

بعد انتخاب ناظم القدسي رئيساً للجمهورية في المجلس النيابي، ولكن قبل جلسة القسم، توجّه إلى دار النائب خالد العظم وشكره على انسحابه من ترشحه للرئاسة، ثم بعد جلسة القسم، توجّه إلى مقر إقامته الجديد في قصر الضيافة مع زوجته وولديه الأصغرين فيصل وفارس. 

ظلّت وفود التهنئة تتوالى على قصر الضيافة مدة أسبوع بما فيها وفد قيادة الجيش الذين قادوا حركة الانفصال عن مصر ومن جميع المحافظات السورية.  ومنذ اليوم الأول إختار ناظم القدسي أن يكون للجميع من يمين ويسار، وناصريين وانفصاليين، ويكون لأهل الريف كما لسكان المدن، وتكون رئاسة الجمهورية فوق الخلافات بين السياسيين، كما حرص قدر الإمكان على إبعاد الجيش عن السياسة وعن الخلافات بين السياسيين. وفوق كل ذلك وقبله، أن تكون سياسة الدولة تهدف لتحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية وتكافؤ الفرص لكل مكونات الشعب.

بدأت بعدها المشاورات النيابية لتشكيل الوزارة، فكانت الأكثرية النيابية ترغب أن يُكلَّف الدكتور معروف الدواليبي تشكيل الوزارة.  ولكن كان هناك اعتبارات أخرى لدى الرئيس القدسي منها أنه والدواليبي من مدينة حلب، وايضاً انهما من حزب الشعب.  غير أن مخاطر عدم الأخذ برأي النواب المنتخبين حديثاً كانت أكثر وأكبر.

عندها إختار الرئيس النزول عند رغبة النواب، وكلف الدكتور معروف الدواليبي تشكيل الوزارة في أواخر شهر كانون الأول 1961. وفي نهاية عام 1961 حدثت محاولة انقلاب في لبنان قام بها الحزب السوري القومي الاجتماعي فهاتف الرئيس الدكتور ناظم القدسي الرئيس فؤاد شهاب مؤيداً وداعماً بكل الإمكانيات  المتاحة. وشكره الرئيس شهاب قائلاً أن الموقف تحت السيطرة، وسيعاود الاتصال معه عند الضرورة.

وانطلقت بعدها مداولات مجلس النواب التي تهدف إلى مراجعة قانون الإصلاح الزراعي وإلغاء قانون تأميم الشركات الذي في الواقع كان كارثة اقتصادية تحولت فيه الشركات المؤممة من شركات رابحة إلى شركات خاسرة في مجملها. 

في منتصف عام 1961 بدأ العراق يطالب بإعادة دولة الكويت إلى السيادة العراقية. ارتأى الرئيس القدسي ان من واجبه ان يسعى للإصلاح لكي لا تتفاقم الامور بين الدولتين و بالإضافة من خبرته الدولية أن الولايات المتحدة  ربما ستشجع ضمنيا على حل ، فطلب الاجتماع مع عبد الكريم قاسم الذي دعاه لزيارة العراق، ولكنه أصَّر على الاجتماع معه على الحدود، وأقنعه بالعدول عن هذه المطالبة لأنها لن تنجح وفيها مخاطرة على العراق وعلى كل المنطقة. إقتنع عبد الكريم قاسم خلال الاجتماع الانفرادي بينهما على أن يبقى ذلك سراً بينهما إلى حين يرى العراق الوقت المناسب لإعلانه، واسفر هذا الاجتماع أيضا على تفعيل التعاون العسكري وتوطيد العلاقات الاقتصادية والثقافية والسياسية.  لم يلقَ هذا الاجتماع استحساناً من قائد الجيش عبد الكريم زهر الدين الذي رفض مرافقة الرئيس إلى هذا الاجتماع، إلا أنه وافق مع الرئيس على أن الجيش العراقي هو سند رئيسي للجيش السوري أمام العدو المشترك.  وتبين لاحقاً أن هذا الاجتماع أثار حفيظة القيادة الكويتية وشكوكها أيضاً، على الرغم من العلاقة الشخصية والودّية بين ناظم القدسي وأمير الكويت في ذلك الوقت الشيخ عبد الله السالم الصباح.

في 16 مارس 1962 إقتحم الجيش الإسرائيلي الحدود السورية، إلا أن قائد الجبهة العميد مصطفى الدواليبي كان قد لغَّم ذلك الطريق قبل يوم واحد الأمر الذي أدى إلى تدمير عدد من دبابات ومصفحات الجيش الإسرائيلي، وردّ الجيش السوري بقصف مدفعي عنيف على المستعمرات الإسرائيلية في الجليل، طوال اليوم التالي، وعُرِفت هذه المعركة بـ"موقعة الكرسي" نسبة إلى اسم القرية المجاورة.

عند ظهيرة ذلك اليوم طلب السفير الأميركي مقابلة الرئيس القدسي الذي استقبله واقفاً ولم يدعه للجلوس.  وطلب السفير الوقف الفوري للقصف بحجة انه أدى إلى "مقتل العديد من المدنيين الإسرائيليين".  فردّ الرئيس القدسي بعنف على السفير الأميركي بأن سورية ليست البادئة بهذه المعركة، وبالتالي، يجب أن يكون الموقف الأميركي عكس ذلك تماماً. وطلب الرئيس القدسي منه إبلاغ إسرائيل أن أي إعتداء مستقبلي سيواجه بردٍ أقسى وأطول من الذي جري اليوم. وطبعاً، إندهش السفير لهذا الموقف من رئيس الجمهورية العربية السورية وانسحب مسرعاً بانزعاج ظاهر. 

في اليوم التالي، زار الرئيس ناظم القدسي ضباط الجيش في الجبهة، ولم يرُق ذلك لقائد الجيش ولكن رافقه مرغماً. وقَبَّل الرئيس القدسي رؤوس الضباط وهنئهم على بطولتهم وتناول طعام الغذاء معهم ثم عاد إلى دمشق.  وبعد ذلك بأسبوع قرّرت قيادة الجيش نقل قائد الجبهة العميد مصطفى الدواليبي وإلحاقه بوفد سورية في الأمم المتحدة ليشرح ماذا حدث في "معركة الكرسي". هذا كان رد قائد الجيش على سؤال رئيس الجمهورية عن هذا الموضوع.

وخلال شهر آذار، استمرت مداولات مجلس النواب ومجلس الوزراء في كيفية التعاطي مع القرارات الاشتراكية التي صدرت خلال الوحدة، وكانت الأغلبية في مجلس النواب ومجلس الوزراء تؤيد تعديل بعض هذه القوانين وإلغاء بعضها الأخر.  وطلب الرئيس القدسي من مجلس الوزراء دراسة هذا الأمر والتريّث في الموضوع، لأنه سيؤثر على الشعور السياسي للطبقات الفقيرة في البلد، ولا يمكن بسهولة سحب ما أعطي إلى هذه الشرائح من المجتمع.  وفي تلك الأثناء كانت أبواق الدعاية المصرية من إذاعة وتلفزيون وصحافة مصرية ولبنانية تهاجم وتحرّض مكوّنات الشعب السوري السياسية والطبقية على بعضها البعض. أصَّر الرئيس القدسي على الحكومة إصدار التعليمات بعدم الرد، وتجاهل ما تقوله الصحافة والإذاعة المصرية، وخاصة "صوت العرب".  والغريب في الأمر، أنه طوال فترة رئاسة الرئيس القدسي لم تأتِ الصحافة والإذاعة المصرية بأي شتيمة له، أو حتى ذكر له علماً أنها كانت تفعل ذلك مع أغلب السياسيين السوريين.

وفي منتصف ليلة 28 آذار 1962 رنّ الهاتف في غرفة نوم الرئيس من حرس القصر ليعلموا الرئيس بأن وفد من ضباط الجيش يودّ مقابلته.  وبتجربته وخبرته السياسية، قَّدَر وقوع انقلاب عسكري وهو موضوع هذه الزيارة. ولما قابلهم، قالوا أنه مدعوّ إلى اجتماع لهيئة أركان الجيش في مقر القيادة، أجابهم "يعني هذا انقلاب، وأنا لست مدعواً  للحضور، ولكنني مرغم على الحضور". ورافقهم إلى قيادة الجيش. 

هناك كان الضباط الذين نفّدوا الحركة الانفصالية، وكان كذلك قائد الجيش الذي بقى ساكتاً في الاجتماع، إنّما الذي تكلم الضابط عبد الكريم النحلاوي، الذي قال له أن الجيش غير راضٍ عن مداولات مجلس النواب، وخاصة إلغاء القوانين الاشتراكية. وطلبوا منه حلّ مجلس النواب، والطلب من رئيس الوزراء أن يقدم استقالته.  فأجابهم الرئيس بأن هذه الانتخابات النزيهة قد تعهد الجيش  بها، وهؤلاء النواب المنتخبون لن يكونوا خاضعين لأوامر الجيش، وهذا مصدر انزعاج الجيش.  ومن ناحية ثانية، هذا الطلب هو من اختصاص السلطة السياسية وليس من اختصاص الجيش.  ثم أخذ ورقة وكتب عليها استقالته من رئاسة الجمهورية، وقال للضباط أن طريق سجن المزّة يعرفه جيداً، وهذا أفضل وأشرف له من الخضوع لأوامر ضباط أخّلوا بالتزاماتهم بالابتعاد عن السياسة

وخرج الرئيس القدسي من الاجتماع بعدما تحدّى الضباط أن يرسلوه إلى سجن المزّة وهو في عهدتهم.  تبعه بعض الضباط ليحاوروه، فقال لهم "أكملوا ما بدأتموه وكان الله في عون الوطن الذي هو الآن بعهدتكم". وركب السيارة العسكرية التي أتت به من قصر الضيافة، ورافقه ذات الضابط إلى المستشفى العسكري في سجن المزة.

وفي صبيحة يوم 28 آذار أُعلن أن قيادة الجيش أزمعت على تصحيح الوضع السياسي في البلاد، واتهمت مجلس النواب ومجلس الوزراء بتصميمهم على إلغاء القوانين الاشتراكية من إصلاح زراعي وتأميم واعتقلت الوزراء وحلت مجلس النواب.

لم يعلم الضباط الدمشقيين الذين قادوا انقلاب 28 آذار في ذلك اليوم عن مدى الكراهية التي يكنها ضباط الجيش من الريف السوري، وأغلبهم من الطبقات الضعيفة مادياً، لضباط الجيش من أبناء المدن. وبعد يومين من الانقلاب أعلنت قطاعات الجيش في حلب تمرّدها على القيادة في دمشق واستعملت في ذلك دار الإذاعة في حلب ثم انضم إليها في هذا التمرد قطاعات أخرى في الجيش من شمال شرق سورية وحماه وحمص. 

هددت القيادة في دمشق بقصف المتمردين، لكن دون جدوى.  ثم، بعد حوالي أسبوع من تداول الضباط مع بعضهم البعض عقد اجتماع لكبار الضباط في حمص، سُمي في ما بعد "مؤتمر حمص" واتفقوا في ما بينهم على تسريح جميع الضباط الذين قاموا بالانقلاب في الجيش وإخراجهم من سورية.  والقرار الثاني هو أنهم لن يعودوا إلى ثكناتهم إلا حين عودة الرئيس القدسي عن استقالته.  ولكن لم يعجب ذلك ضباط الانقلاب الذي قالوا بدورهم  أنهم لن يقبلوا بتسريحهم إلا إذا عاد الرئيس القدسي عن استقالته.  وهذا يعني أن الرئيس المعتقل في المستشفى العسكري في المزّة قد أصبح صمام الأمان بين ضباط الجيش اليمينيين من المدن وبين الضباط من أبناء الريف.

بدأت مفاوضات الجيش مع الرئيس القدسي من خلال وزير الدفاع رشاد برمدا، وهو عضو في حزب الشعب الذي تم حله.  أصَّر الجيش على أن يحل رئيس الجمهورية مجلس النواب بينما أصَّر الرئيس على أنه لن يحل مجلس النواب و"هذا جزء من القسم أن يصون مؤسسات الدولة الدستورية".  إقترح رشاد برمدا عندها أن يقدم جميع النواب استقالاتهم على أن تجرى انتخابات جديدة خلال مدة ثلاثة أشهر.  أجاب الرئيس بأن هذا الشأن عائد للنواب وليس له عليهم أية سلطة ولا رغبة له في أن يقدم النواب استقالاتهم. وظل هو في المستشفى العسكري بناء على إصراره، ولم يقابل عبد الكريم زهر الدين قائد الجيش بالاسم فقط ... أو هكذا إدعى زهر الدين في ما بعد. 

إجتمع النواب مع رشاد برمدا وبعد مداولات عديدة تم الاتفاق على أن يعود الرئيس عن استقالته ويقدّم النواب استقالاتهم الجماعية على أن تجرى انتخابات نيابية خلال مدة ثلاثة أشهر. ومن ثم، أتى برمدا باستقالات النواب، وقبلها الرئيس حرصاً على وحدة الجيش والوطن.  ووافق كتابياً على مقررات مؤتمر الضباط في حمص حقناً للدماء في الجيش، ولكن لم تعد لديه تلك الحماسة، إذ أن سلطات رئيس الجمهورية في "دستور 1950" - الذي أشرف هو شخصياً على كتابته وإصداره حصر السلطات التنفيذية في مجلس الوزراء إلا أنه لم يستطع إقناع لجنة الدستور، حينها، تبني النظام الرئاسي الذي يعطي الرئيس الصلاحية الأكبر في السلطة التنفيذية.

عاد الرئيس ناظم القدسي إلى القصر الجمهوري وسحب استقالته. وأتى الضابط الذي أتاه في منتصف الليل إلى قصر الضيافة، وقبّل يديه طالباً السماح، فقال له الرئيس إن "الذين أعطوك الأوامر قد عوقبوا" وسامحه وقبّله على رأسه. وتمت  احتفالات عيد الجلاء في 17 نيسان 1962 برعاية وحضور رئيس الجمهورية، الذي ألقى خطاب العودة عن الاستقالة بعد تسريح جميع ضباط الانقلاب وإخراجهم من سورية ملحقيين عسكريين في السفارات السورية في الخارج.  وللعلم، لم يقبل الرئيس تكليف أي شخص بتأليف الوزارة إلا بعد خروج جميع الوزراء وعلى رأسهم الدكتور معروف الدواليبي من المستشفى العسكري في سجن المزّة.

بعدها تم تكليف الدكتور بشير العظمة، وهو وزير سابق في عهد الوحدة، بتشكيل الوزارة. وأدرك جميع الوزراء السابقين واللاحقين أنه ليست بهذه السهولة إلغاء القوانين الاشتراكية التي تم إصدارها في عهد الوحدة.  وخلال مدة ثلاثة أشهر السابقة شنًت الإذاعة المصرية أعنف حملة على سورية وعلى التيارات اليمينية السورية والانفصاليين في الجيش، ووصفتهم بأنهم "رجعيون" و"أعوان الاستعمار". وتألفت الوزارة التي شكّل الاشتراكيون فيها نسبة عالية، وكذلك شارك فيها عبد الكريم زهر الدين كوزير للدفاع، ومن ثم اقترح على مجلس الوزراء ترفيع نفسه إلى رتبة فريق، ووافق مجلس الوزراء على ذلك.

بعد ذلك ازداد ضغط مخابرات الجيش على الوزراء، وخاصة الاشتراكيين منهم، فلم يوافقوا على إجراء انتخابات نيابية جديدة، حسبما تم الاتفاق عليه عندما كان الرئيس في المعتقل.

أيضاً على أثر تسريح وإخراج الضباط الذين قاموا بحركة الانقلاب الفاشلة إزدادت الخلافات بين كتل الضباط في الجيش. فالضباط الذين هم من الريف السوري تكتلوا مع بعضهم البعض ضد كتلة الضباط من أبناء المدن السورية، وكتلة الضباط الناصريين ضد كتلة الضباط الانفصاليين وكتلة الضباط البعثيين، الذين نظراً لشعبية عبد الناصر في الشارع السوري كانوا يتظاهرون أنهم مع كتلة الضباط الناصريين إلا أنهم كانوا "فاتحين دكاناً على حسابهم" في الجيش.

وفي صيف 1962، وبمناسبة تخرج دفعات الضباط من الكلية العسكرية في حمص وكلية الطيران في حلب والكلية البحرية في اللاذقية، قام الرئيس القدسي، برفقة قائد الجيش، بجولة على المحافظات السورية, وألقى خطابات مكتوبة ومرتجلة في الكليات العسكرية وأمام الجموع التي استقبلته في جميع المحافظات وخاصة عند عودته إلى قصر الضيافة في دمشق. وقال في خطابه الارتجالي في حلب وفي دمشق، عندما بدأت الجماهير بالهتاف ضد الرئيس عبد الناصر، أنه لا يقبل أن يُشتم عربي على أرض سورية العربية وأن هذا ليس من طبائع الشعب السوري. والتصوير الوثائقي لهذه الزيارة موجود في هذا الموقع

بعد ثلاثة أشهر من الانتظار بدأ النواب السابقون تحرّكاتهم وادعوا أنه جرى إرغامهم على تقديم استقالاتهم من قبل الجيش، علماً أن رشاد برمدا كان قد أعلم الرئيس - عندما كان هو في المعتقل - أنهم قدموا استقالاتهم الجماعية طوعاً واختياراً تسهيلاً لعودة الرئيس عن استقالته.

وفي أوائل صيف 1962 اجتمع معظم النواب السابقين في بيت خالد العظم ووجهوا كتاباً لرئيس الجمهورية يطلبون فيه تكليف خالد العظم بتشكيل الوزارة الجديدة.  وعندها قرّر الدكتور بشير العظمة، حفاظاً على سمعته وكرامته، وبالرغم من نصيحة وزير الدفاع الفريق عبد الكريم زهر الدين، تقديم استقالة وزارته للرئيس القدسي. وعندها نزل الرئيس القدسي عند رغبة النواب وكلّف العظم بتشكيل الوزارة رغم ما بينهما من ود مفقود، وبالرغم من نصيحة قائد الجيش بعدم تكليفه بتشكيل الوزارة لأنه غير محبوب لدى الأوساط العسكرية.

شكل خالد العظم آخر وزارة في عهد الرئيس ناظم القدسي في شهر آيلول ،1962 وضمت وزراء من مختلف التيارات السياسية اليمينية والبعثيين والاشتراكيين والأخوان المسلمين.  ولكن، في واقع الحال، كان المجتمع السياسي السوري منقسماً على نفسه، وكان الرئيس عبد الناصر يغذّي كل هذه التيارات أحدها ضد الآخر عبر إذاعاته، ومن خلال سفيره في بيروت عبد الحميد غالب الذي كان يرسل الأموال للضباط الناصريين ولنقابات العمال والفلاحين، يحرّضهم ضد حكم الانفصال المُسيطر عليه من أعوان الاستعمارحسب أبواق الدعاية المصرية.

قرّر مجلس الوزراء، بالرغم من نصيحة الرئيس وعدم موافقته، تقديم شكوى إلى مجلس الجامعة العربية ضد مصر لتدخلها في سورية. وأرسلت سورية وفداً مؤلف من وزراء اشتراكيين سابقين أيام الوحدة وأرسل عبد الناصر وزراء سوريين ناصريين بقوا في مصر لتمثيل مصر في اجتماع الجامعة ببلدة شتورا في لبنان. وتقاذف السوريين في الاجتماع الاتهامات وبذاءة الكلام والشتائم المتبادلة، وهو ما لم يحدث ذلك سابقاً في تاريخ الجامعة العربية.

 وفي آواخر عام 1962 بدأت الإشاعات في الشارع السوري تتحدث عن انقسامات في الجيش وعن انقلاب.  وكان قائد الجيش يأتي إلى القصر الجمهوري أو إلى بيت الرئيس ليلاً ليعلمه عن تمرد هذه القطعة أو تلك في  قطنا أو في الضمير، ويبلغه أنه لم يعد لديه سلطة على قطاعات الجيش.  وكان الرئيس يتكلم هاتفياً مع قادة القطاعات للاستماع إلى مطالبهم، وفي كل مرة، ينهي كلامه بالنصيحة بأنهم "إذا أرادوا أن يشتغلوا بالسياسة في البلد، فعليهم أولاً تقديم استقالاتهم من الجيش، وعندها سيكون على استعداد لتسليم السلطة إلى أية قوة سياسية ومن خلال الممارسة الديمقراطية لانتقال السلطة في البلاد".  وطبعاً لم يعجب ذلك الكثير من الضباط، على رأسهم قائد الجيش الذي كان  يعتقد أن الجيش هو الوصي الشرعي على السياسيين.

كذلك، في آواخر 1962، زار رئيس الوزراء خالد العظم عدداً من المحافظات فقامت مظاهرات من التيار الناصري والاشتراكي والبعثي ضده في جميع المحافظات، وبل في محافظة درعا رشقت سيارته بالبيض والبندورة.  وتزامناً مع ذلك، بدأ مجلس الوزراء ببحث قانون الانتخاب الجديد ومراجعة قانون التأميم وقانون الإصلاح الزراعي، فدبّ الخلاف بين وزراء اليمين ومعهم الأخوان المسلمين من جهة، وبين الوزراء المستقلين والاشتراكيين في الطرف المقابل. وكان الرئيس القدسي يجمع الوزراء من الطرفين في بيته، وفي الليل في أغلب الأحيان، محاولاً جهده التوفيق بين هذه التيارات بحلول وسطية، ولكن لم تكن هناك أية ثقة أو أرضية مشتركة بين هذه الأطراف التي كانت كلها داعمة في الأساس لانفصال سورية عن مصر.

وفي 13/1/1963 عاد مرة ثانية الضباط الانقلابين بقيادة عبد الكريم النحلاوي والذين أخرجوا من سورية بعد مؤتمر الضباط في حمص في أوائل نيسان 1962 واستطاعوا أن يقنعوا قادة معسكرات قطنا والكسوة والقابون بإعلان العصيان على قيادة الجيش في دمشق.  فتنادى كبار السياسيين والوزراء ورئيس الوزراء وكبار ضباط الجيش وهيئة الأركان للاجتماع في القصر الجمهوري.  وبعد المداولات التي أظهرت عمق خلافات ضباط الجيش فيما بينهم انفجر رئيس الجمهورية غاضباً وموجهاً كلامه إلى ضباط الجيش قائلاً حرفياً "الله يخرب بيتكم يا عسكر رايحين تضيعوا استقلال البلاد بتصرفاتكم السيئة المتهورة ولقد استقدمنا الوفد الاقتصادي الألماني للمساهمة بتعزيز اقتصادنا ووطننا وأنتم تدمرونه بسوء أعمالكم وهذه صورة من صوركم أمام الأجنبي أيضاً". 

وفي أوائل شهر شباط 1963 حدث الانقلاب البعثي الناصري في العراق، الذي تبين لاحقاً انه كان بدعم ومباركة من الولايات المتحدة، خاصةً، أن عبد الكريم قاسم كان يماشي الشيوعيين في العراق.  وطلب عبد الكريم زهر الدين موعداً مستعجلاً من الرئيس القدسي وطلب إليه باسم الجيش الاعتراف بالنظام الجديد في العراق. وفوراً زجره الرئيس قائلاً "هذا ليس من اختصاصك وليس من اختصاص الجيش"، وأكمل قائلاً له "تارة تتحدث باسم الجيش، وتارة تقول بأنه ليس لديك سلطة في الجيش فأيهما الصحيح؟" فأجابه زهر الدين بأنه في هذه الحالة يرغب في الاستقالة، وبالفعل قدم استقالته.  وذهب ولم يعد.

عند اشتداد الخلاف بين الوزراء، وخاصة خلال شهر شباط، 1963 بدأ رئيس الوزراء خالد العظم يتمارض في بيته، ولم يعد يحضر اجتماعات مجلس الوزراء، وأصبح أسعد كوراني نائب رئيس الوزراء يدير جلسات مجلس الوزراء. وفي آواخر شباط، أتت تقارير من جهات أمنية غير عسكرية بأن العقيد زياد الحريري سيقود انقلاباً عسكرياً، فأرسل له الرئيس القدسي رسالة شفهية مع والده بأن "يتفضّل" إلى القصر الجمهوري بصفته الشخصية لكي يستلم الحكم. لكن زياد الحريري أقسم أمام والده على القرآن الكريم بأن هذه التقارير كاذبة ولكن بالفعل كانت صحيحة لأنه قاد الانقلاب فيما بعد.

وفي أوائل شهر آذار 1963 اتصل السفير الأميركي في دمشق المستر ريجوي نايت بالدكتور نهاد إبراهيم باشا، وزير التخطيط وهو ابن شقيقة الرئيس القدسي، وذلك في منتصف الليل وطلب اليه إبلاغ الرئيس القدسي بأن واشنطن أعلمته بأنه سيحصل انقلاب وشيك في سورية، وأن لا علاقة للولايات المتحدة به.  وفي تلك الأثناء، كانت التقارير تأتي من جهاز الأمن السياسي بأن هناك تدفقات مالية تأتي من الخارج لبعض الضباط في الجيش.

ايضاً، في العام 1963، كان المهندس سعد ناظم القدسي، الإبن الأكبر للرئيس، يعمل موظفاً في وزارة الأشغال العامة في الكويت.  وكان هو وزوجته قد عادا من أميركا حديثاً، وهما على علاقة صداقة مع بعض أعضاء السفارة الأميركية في الكويت. ولقد تلقى سعد القدسي مكالمة هاتفية من صديقه السكرتير الأول في السفارة الأميركية يوم 7 آذار ليقول له بأنه سيأتي لبيت سعد لكي يسهروا معاً في تلك الليلة.  استغرب سعد هذا الاتصال، إلا أنه وافق على دعوة صديقه الأميركي إلى بيته تلك الليلة، ولم يغادر الصديق بيت سعد إلا بعد منتصف الليل. ولكن في صبيحة اليوم التالي، وبعد علم سعد بأمر الانقلاب زال استغرابه كلياً.

في الساعة الثالثة من فجر يوم الثامن من آذار أتى هاتف من الضابط المناوب في الأركان للرئيس القدسي في البيت ليقول أن هناك تحركاً لقطاعات عسكرية على مداخل دمشق، وأنه لم يعد قادراً على الاتصال بقائد الجيش المستقيل عبد الكريم زهر الدين أو رئيس الأركان اللواء نامق كمال أو اللواء مسلم الصباغ الذي عُيِّن قائد للجيش في يومها لكنه لم يستلم منصبه. 

وفي حوالي الساعة الرابعة أتى هاتف آخر من الضابط المناوب في قيادة شرطة العاصمة بقلعة دمشق ليقول بأن هناك انقلاباً، ويطلب الأمر للاشتباك مع الضباط  الانقلابيين، لكن الرئيس القدسي من ايمانه العميق بعدم إراقة الدماء بين قطاعات الجيش الواحد لكي يبقى في الحكم  لم يعطيه أي امر. 

سمع في دمشق إطلاق نار عند الصباح الباكر، وبدأت الإذاعة تذيع البلاغات العسكرية. وفي الساعة التاسعة صباحاً أتى المرافقون إلى بيت الرئيس، كالعادة، ولم يغادر الرئيس البيت الذي يسمّى اليوم قصر الروضة، في أعلى شارع أبو رمانة، بجانب جامع الروضة.  وعند الظهر أتى سكرتير الرئيس حاملاً البريد اليومي، ولكن بعد الظهر قُطعت الاتصالات الهاتفية عن القصر.

في المساء جاء وفد من بعض ضباط الجيش الذين قاموا بالانقلاب، وكان بينهم الضابط الناصري راشد القطيني رئيس المخابرات العسكرية - في حينه -، ومعهم الوزير السابق الدكتور عبد الوهاب حومد، وأدوا التحية العسكرية وأكدوا له أنه ما زال رئيسهم،  ولكن الأوضاع في البلد حتمت عليهم القيام بحركتهم هذه للتخلص من الوزارة. وطلبوا اليه بكل أدب واحترام أن يبقى في قصر الروضة حتى تتبلور الأمور. وفعلاً، أبقوا الحراسة كما كانت سابقاً وأعادوا الاتصالات الهاتفية للقصر. 

في اليوم الثاني وصلت مظاهرات إلى بيت رئيس الوزراء خالد العظم، الذي لا يبعد أكثر من مائتي متر عن بيت الرئيس، فاضطر رئيس الوزراء للجوء إلى السفارة التركية في الدور الأرضي من بيته. وتوقفت المظاهرة هناك ولم تأتِ لبيت الرئيس.

ظلت صور رئيس الجمهورية في الدوائر الرسمية لمدة سبعة أيام. وكان صلاح البيطار رئيس وزراء الانقلابيين يتكلم في مؤتمره الصحافي الأول بعد يومين من الانقلاب وصورة الرئيس القدسي الرسمية تعلو فوق رأسه. 

بعد سبعة أيام تمت تلبية رغبة الرئيس بمغادرة القصر ولكن مجلس قيادة الانقلاب طلب إليه أن يبقى في دمشق، وعندها أقام مدة ثلاثة أسابيع في منزل إبنة شقيقه في دمشق هداية زوجة الدكتور عبد الستار عدي. بعدها،  سُمِح له بمغادرة دمشق فغادرها إلى حلب في الأسبوع الثاني من شهر نيسان. 

في تلك الأثناء، كان الوفد السوري برئاسة صلاح البيطار والوفد العراقي يفاوض الرئيس عبد الناصر لإعادة الوحدة بما يسمى "مفاوضات الوحدة الثلاثية". ولقد إستهزأ الرئيس عبد الناصر من البعثيين الذين اتهمهم بالغدر بالوحدة، وقال لهم "أنتم تفاوضونني بإعادة الوحدة وزعماء الانفصال وزعماء اليمين السوري بجلسون معززين مكرمين في بيوتهم". 

وبالفعل، عاد الوفد السوري إلى دمشق وأصدر قرارات العزل المدني بحق الرئيس ناظم القدسي وخالد العظم ووزراء وسياسيين سابقين وضباط ورجال أعمال.  وفي منتصف ليل ذلك اليوم، في حلب، حاول البعض من أقرباء الرئيس القدسي أقناعه بالمغادرة معهم عبر الحدود إلى تركيا. إلا أن الرئيس رفض ذلك بإصرار قائلاً أنه يفضل السجن عن الهروب خارج سورية، خاصة، وأنه مرتاح الضمير لكل ممارساته خلال فترة رئاسته. 

وبعد ذلك، في منتصف نيسان 1963، في حوالي الساعة الثانية بعد منتصف الليل، تم تطويق بيته من قبل الشرطة العسكرية بقيادة الملازم عبد الله عمرايا طالبين إليه مرافقتهم إلى المستشفى العسكري في حلب.  وغادر الرئيس بيته بسيارته برفقة إبنه فائز وبعض أقربائه.  وفي اليوم التالي غادر حلب أيضاً بسيارته برفقة إبنه إلى مقر رئاسة الأركان في دمشق ومنها إلى المستشفى العسكري في سجن المزّة. وهناك لم يتعرض إلى أية مضايقات، بل أعطي غرفة خاصة، وكان الضباط في إدارة المستشفى أو من المعتقلين يأتون إلى غرفته للسلام أو لتفقده إذا كان يحتاج إلى أي شيء.

ومن باب "إتقِ شر من أحسنت إليه"، في أواخر 1962، أتت للرئيس القدسي رسالة من مالك بيته في حلب المرهون لديه يطلب منه تسليم البيت، ويهدد بإقامة دعوى على الرئيس "لتأخره في تسليمه البيت". وكان ذلك جزاء الإحسان مرتين، الأولى بعدم شرائه البيت ومنحه رأس المال اللازم، والثانية عندما أعطاه كتاب توصية إلى أمير الكويت والتي أصبح نتيجتها مليونيراً. وبالنتيجة، تم تسليم البيت إلى صاحبه بينما كان الرئيس القدسي لا يزال في المعتقل.

في صباح يوم 18 تموز 1963 حاول الضباط الناصريون الانقلاب على الضباط البعثيين في الجيش.  وسُمع إطلاق رصاص غزير في دمشق على أثر اشتباك عسكري أمام هيئة الأركان في وضح النهار، وتم على أثر المحاولة تصفية الضباط الناصريين من الجيش.  كذلك، أعدم عدد كبير من الضباط الناصريين داخل سجن المزّة في ذلك اليوم. وبعدها استفرد حزب البعث بالسلطة، وجرى اعتقال الكثير من السياسيين الناصريين منهم الوزير السابق عبد الوهاب حومد، وكذلك عدد كبير من الضباط الناصريين ومنهم راشد القطيني، وأُودِعوا في غرف جماعية في سجن المزّة.

كان يزور الرئيس القدسي دورياً أبناؤه فواز وفائز وفيصل وصهره الدكتور سامي زكريا وصهر أخيه الدكتور عبد الستار عدي.  وكانت تومّن له جميع الصحف السورية وما يتوافر من الصحف الأجنبية وأيضاً راديو ترانزيستور.  وفي صبيحة أحد أيام شهر آب 1963 أذاع راديو إسرائيل بأن المدعي العام العسكري طلب إنزال حكم الإعدام بالرئيس القدسي. وعند ظهر ذلك، اليوم جاء المدعي العام العسكري إلى غرفة الرئيس وقدّم له التحية العسكرية، وكذّب ذلك الخبر قائلاً انه "لا توجد محاكمة أصلاً، ولم يقدم المدعي العام أية مطالعة قانونية" لأنه بالأساس ليس هناك محاكمة للرئيس القدسي. 

في هذه الأثناء، عيّن اللواء أمين الحافظ حاكماً عرفياً عاماً، ثم رئيس للدولة, وكان يأتي لزيارة الرئيس القدسي أو يرسل أحد ضباط القيادة دورياً لتفقده. وعند نهاية الصيف تم نقل الرئيس إلى غرفة أكبر في المستشفى ووضعوا معه عبد الكريم زهر الدين الذي كان معتقلاً ايضاً.

وفي 30 تشرين الثاني عام 1963 أتى العقيد أحمد سويداني، رئيس مكتب اللواء أمين الحافظ، إلى غرفة الرئيس القدسي وأدى التحية قائلاً أن "اللواء الحافظ يهديك التحية، ويقول أنك حر طليق تذهب حيث تريد منذ هذه اللحظة".  فغادر الرئيس القدسي سجن المزّة في أوائل شهر كانون الأول عام 1963 بسيارة العقيد سويداني إلى منزل إبنة شقيقه في دمشق، حيث جاء رئيس الوزراء السابق لطفي الحفار للسلام عليه.  وفي اليوم التالي، غادر الرئيس دمشق عائداً إلى بيته في حلب بعد احتجاز قسري دام سبعة أشهر، وهي أطول مدة أمضاها في المعتقل خلال عمله السياسي طوال 35 سنة.

 

 المنفى الاختياري

بدأت وفود المهنئين تتوافد على بيت الرئيس ناظم القدسي وكان يعلم أن ذلك سيزعج العسكريين كثيراً.  فطلب من اللواء أمين الحافظ، بواسطة صهر أخيه الدكتور عبد الستار عدي، الموافقة على ذهابه إلى بيروت لزيارة ابنه فريد، الذي كان آنذاك يدرس في الجامعة الأميركية، فوصلته الموافقة بعد بضعة أيام، لكن السلطات العسكرية لم تُعلِم مطار حلب بذلك. 

وبعد أيام، غادر حلب على طائرة طيران الشرق الأوسط اللبنانية بعدما تأخرت لمدة ساعة لحين استلام الموافقة على خروجه من قيادة الجيش. كذلك تأخرت الطائرة في الجو فوق بيروت لحين موافقة الرئيس فؤاد شهاب على هبوط الطائرة في مطار بيروت. 

حضر إلى مطار بيروت رئيس تشريفات القصر الجمهوري السيد جورج حيمري موفداً من الرئيس فؤاد شهاب وبسيارة الرئيس التي نقلته إلى منزل إبن شقيقته وزير التخطيط السابق الدكتور نهاد إبراهيم باشا.  وبعد أيام زار صاحب الترجمة  الرئيس فؤاد شهاب في القصر الجمهوري وشكره على حسن الاستقبال.  وبعد أيام أتى رئيس التشريفات حيمري وعرض على الرئيس القدسي منحه اللجوء السياسي وبيتاً للسكن مع حراسه. غير أن الرئيس القدسي شكره ورد بأنه يفضل أن يكون زائر كبقية الزوار في لبنان.  ويًذكر أنه بعدما أُعلن عن قدومه بدأت الصحف اللبنانية الكتابة عنه وعن سوريةـ لكنه، رفض إعطاء أي مقابلات أو تصاريح للصحافة. بل وأعلن تقاعده عن العمل السياسي بعد 35 سنة أمضاها في مقاومة الانتداب الفرنسي، وبعدما تقلد مسؤوليات ومناصب عديدة قَلّ أن تقلدها أي سياسي آخر في سورية.

واصل الرئيس القدسي اتصالاته مع آخرين من الملوك والرؤساء العرب، على رأسهم صديقه الأمير فيصل وقد أصبح ولي العهد السعودي، إذ تعود صداقتهما لأيام مؤتمر سان فرانسيسكو لتأسيس الأمم المتحدة عام 1945.  وفي عام 1966 ذهب الرئيس القدسي للحج مع زوجته وكان الأمير فيصل قد أصبح ملكاً فدعاه للإقامة في الرياض والعمل معه في القصر الملكي، إلا أنه اعتذر قائلاً أنه يفضل الإقامة في بيروت والإجابة على أية أمور يرغب الملك أن يستشيره فيها. وكذلك نصح صاحب الترجمة الملك فيصل بأن يقابل الدكتور معروف الدواليبي رئيس وزراء سورية الأسبق الذي أصبح مستشاراً لدى الملك فيصل في القصر الملكي في الرياض وللملوك السعوديين بعده إلى حين وفاته عام 2004. 

وفي بيروت أعاد الرئيس القدسي علاقته التاريخية مع صديقه وشريكه السابق المحامي والبروفسور الدكتور أدمون رباط وكذلك زميله في السفارة السورية في واشنطن عام 1945 الدكتور قسطنطين زريق  - الذي أصبح نائب رئيس الجامعة الأميركية في بيروت -، كذلك تعرف على الأديب والفيلسوف ميخائيل نعيمة.  ومن الناحية السياسية، كانت هناك زيارات متعددة لرئيس الوزراء اللبناني صائب سلام والحاج حسين العويني والرئيس شارل حلو والرئيس سليمان فرنجية والحاج أمين الحسيني مفتي فلسطين الأكبر.

 وخلال حرب حزيران عام 1967 كان الرئيس القدسي مصطافاً في مدينة جنيف، وكان الملك فيصل في زيارة إلى رؤساء أوروبا لشرح الموقف العربي والسعودي. ويومها ذهب إلى الملك فيصل في جنيف وقابله قائلاً أن" الوضع العربي يتطلب أن يساند جميع العرب مصر، خاصة، بعد كارثة حرب 1967". فأجابه الملك فيصل "وهذا هو موقف السعودية وقد أبلغنا الرئيس عبد الناصر بذلك". وأكمل الملك فيصل زيارته الأوروبية وأقنع الرئيس الفرنسي الجنرال شارل ديغول بتغيير موقفه السياسي.  ثم حضر مؤتمر القمة في الخرطوم وطلب أن يكون خطاب الرئيس عبد الناصر هو يمثل الخطاب السعودي، رغم ما كان بينهما من جفاء جراء حرب اليمن.

بعد مدة قصيرة من حرب 67، توفي في بيروت الرئيس شكري القوتلي حزناً وقهراً على ضياع الجولان. وبعد الصلاة على الجثمان، شارك الرئيس القدسي في الجنازة وفي السيارة الأولى إلى الحدود السورية، ومن ثم استقبل المعزين في دار الرئيس القوتلي في بيروت، ومن بينهم الفريق أمين الحافظ بعد طرده من سورية في عام 1966.

وبعد قدوم ابنه فائز إلى العاصمة الأردنية عمّان والسكن فيها كان يزور الأردن ويزور الملك حسين، الذي حلّ ضيفاً عليه عدة مرات، وكذلك شقيقه الأمير الحسن ولي العهد الأردني في ذلك الوقت. 

أيضاً إبان إقامة الرئيس القدسي في بيروت، حتى عام 1975، كان الملك فيصل يرسل بعض المسؤولين السعوديين والأمراء لزيارته واستشارته في بعض الأمور السياسية الدولية والعربية التي ليس لها علاقة بسورية. وكان صاحب الترجمة، خلال زيارة الملك فيصل لبيروت عام 1972، يحضر جميع الولائم والدعوات الرسمية، ودائماً على المائدة الرئيسية بصفته رئيس جمهورية سابق.  وفي أواخر الستينات ذهب إبنه الأكبر سعد، ومن بعده ابنه فريد، للعمل في السعودية، فكان يزورهم هناك مرات عديدة ويزور أصدقاءه الآخرين في السعودية، وعلى رأسهم الدكتور معروف الدواليبي، والعشرات من الأدباء والأساتذة والسياسيين السوريين وغيرهم والمقيمين في السعودية.

وكذلك انتقل إبنه فواز في أواخر الستينات من حلب إلى أبو ظبي، حيث عمل في دائرة الأبحاث والوثائق في الديوان الأميري للشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وذلك قبل قيام اتحاد "دولة الإمارات العربية المتحدة".  وعند قيام الاتحاد أصبح فواز ناظم القدسي رئيس دائرة التشريفات في وزارة الخارجية، فكان الرئيس القدسي يزوره في بيته هناك بصورة مستمرة.

وعند بدء أحداث لبنان، غادر الرئيس ناظم القدسي بيروت إلى عمّان، ضيفاً على الملك حسين، ثم إلى تونس  ضيفاً على رئيس الجمهورية الحبيب بورقيبة الذي كان صديقه أيام الجامعة في جنيف. وبعد الزيارة الأولى إلى تونس غادرها إلى لندن في صيف 1976 وأقام في منزل إبنه فيصل الذي كان يعمل في البنك العربي هناك.  ومن ثم، قرر الإقامة في تونس مدة سنة، خاصة، وأن ابنه الأصغر فارس كان يتابع دراسته في تونس. ومن تونس انتقل إلى مدينة نيس في فرنسا عام 1978 حيث أقام هناك مع زوجته وابنه فارس وابنته الوحيدة عهد وأولادها حتى عام 1983.  وخلال هذه المدة كان دائم السفر لسويسرا التي كان يحبها كثيراً منذ أيام دراسته فيها.  وكان يزور أولاده في عمّان والسعودية وأبوظبي ولندن ودائماً مع زوجته لتفقد الأولاد والأحفاد.وفي أوروبا كان يستعمل وسائل النقل العمومية من حافلات وقطارات وكان ذلك يسعده كثيراً.

وعند بلوغ صاحب الترجمة الثمانين، قرّرت العائلة وجوب انتقاله للإقامة مع أحد أولاده أو بجانبهم. وعندها اختار الانتقال من مدينة نيس إلى أبو ظبي حيث أقام في بيت ابنه فواز. وهناك كان على اتصال مع أصدقائه السوريين، وكان يزور الشيخ زايد آل نهيان ويتزاور مع أحمد خليفة السويدي وزير خارجية الإمارات العربية المتحدة.  وأيضاً، كان يمضي فصل الصيف في منزل ابنه فواز في منتجع غشتاد في سويسرا. 

بعد ذلك، ونظراً لشدة الرطوبة والحرارة في أبو ظبي، إرتأى أن ينتقل إلى جانب ابنه فائز في عمّان، وأقام هناك بصفة خاصة وبصورة دائمة منذ عام 1987. وفي العاصمة الأردنية، كان بيته مفتوحاً لكل الزوار، وخاصة الجالية السورية في الأردن. وكان يزوره عمر بهاء الأميري والدكتور معروف الدواليبي وأكرم زعيتر والأمير الحسن ولي العهد وغيرهم الكثير من الوجوه الثقافية الأردنية ورجال الأعمال، وخاصة عبد المجيد شومان رئيس البنك العربي، كما كان يلبي دعوة الملك الحسين ويزوره في القصر الملكي وأيضاً في المناسبات.

وإبان أقامة الرئيس القدسي في عمّان، تبلّغ وفاة صديقه وشريكه السياسي المرحوم رشدي الكيخيا في قبرص عام 1988، فكتب فيه رثاءً صادقاً عاطفياً ونابعاً من القلب، إلا أنه في النهاية قرر ألا ينشره وهو موجود في هذا الموقع. ولقد كانت آخر زيارة له إلى سويسرا عام 1990 وبعدها لم يغادر عمّان إلى حين وفاته. وللعلم، في العام 1997 توفيت زوجته السيدة شهيرة بنت الحاج عبد الله صلاحية، وكانت زوجته ورفيقته خلال 63 سنة من الزواج.  ومنذ ذلك العام بدأت صحته تتراجع، وكان أولاده يزوروه في عمّان توالياً وباستمرار. غير أن ذاكرته وفكره ظلا متوقدين حتى آخر أيام حياته، وكان يزور ويُزار ويخرج من بيته للنزهة حتى عامه الأخير. 

وفي اليوم السابع من شباط عام 1998 توفي ناظم القدسي محاطاً بأولاده وأحفاده عن عمر يناهز الـ92 سنة. ولقد عرض جلالة الملك الحسين على العائلة أن يُدفن في المقابر الملكية في عمّان، وكذلك عرض السفير السوري أن يدفن في سورية، ولكن رغبته كانت أن يُدفن إلى جانب زوجته في مقبرة العائلة بعمّان. ولم يرق ذلك أبداً للنظام السوري في دمشق، إلى درجة منعه نشر خبر وفاته في الصحافة والتلفزيون.

وتوافدت وفود المعزّين على بيته من الأردن ولبنان وسورية والسعودية. وكتبت الصحافة العربية والأجنبية عن خبر وفاته. وكتب الصحافي البريطاني باتريك سيل، المتخصص بشؤون سورية، مقال نعياً له في  صحيفة الغارديان البريطانية، كما توالت برقيات التعزية من سورية ومن أنحاء العالم حيث يتواجد الأصدقاء والمعارف والأقرباء.

"تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ"-  القصص٨٣

رحم الله فقيدنا الغالي وأسكنه فسيح جنانه بقدرعطائه في حياته لسورية وأمته العربية.

 

لجنة العائلة

 

أسهم في المراجعة والتحقيق الصديق الإعلامي والكاتب إياد أبو شقرا.

قام بترجمة النص إلى اللغة الإنجليزية البروفيسور الدكتور بيتر كلارك OBE