١٩٦٢/٠٤/١٤
خطاب رئيس الجمهورية العربية السورية الدكتور ناظم القدسي بعد عودته عن الاستقالة ١٤-٤-١٩٦٢ ونشر في ١٥-٤-١٩٦٢
خطاب الرئيس بعد عودته عن الاستقالة
في 14/4/1962م
(صحيفة الوحدة) نشرت بتاريخ 15/4/1962م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وجه السيد رئيس الجمهورية الدكتور ناظم القدسي مساء امس بيانا هاما الى شعب الجمهورية العربية السورية هذا نصه:-
أيها الشعب الكريم،،
مواطني الأعزاء،،
في هذه الظروف الدقيقة التي تجتازها بلادنا. في هذه المرحلة التي نمر بها في سبيلنا الى اعز ما ننشد لبلدنا وللوطن العربي من عزة ووحدة، واستقرار. في هذه الفترة من تاريخ كفاحنا المستمر من اجل حرية الشعب وسلامة الكيان الوطني ضد كل ما يحيط بنا من مخاطر ومكائد يدبرها الاستعمار والصهيونية، وتنصبها لنا الحرب الباردة والمصالح البترولية. في هذه الأيام حيث يتطلع المواطنون جميعهم، اينما كانوا، في الجيش والمعمل، والحقل والمصنع، والمكتب والمدرسة، الى وحدة وطنية راسخة تصدر عنها كل ارادة الشعب وقوته، وتنطلق منها الى تحقيق المبادىء الرفيعة والأماني العربية الكبرى، ونبلغ بها جميعنا ما نطمح اليه من حياة عزيزة كريمة. أعود الى مخاطبتكم كمواطن قدر له ان يكون بينكم في موقف المسؤوليات الجسام ولا سبيل له إلا أن يلبي نداء الواجب ويستجيب الى صوت الضمير. وببساطة أقول لكم أنني اخاطبكم اليوم كأب وأخ ومواطن يشعر بشعور كل فرد منكم أبا وإبنا وأخا ومواطنا لكم جميعا، بدون تمييز ولا استثناء وينحني بمثل هذا الشعور الانساني والقومي امام ما يفرضه عليه الواجب الأسمى.
ايها الأخوة الأعزاء
في هذا الخطاب الذي اتوجه به اليكم، لا مجال لأن أتبسط معكم في الأحداث التي مرت بها البلاد خلال الفترة الأخيرة، وفي اعتقادي ان هذه الأحداث بجوهرها وبما ترمز اليه، ليس الدافع اليها سوى اختلاف في الاجتهاد حول الطرق الموصلة الى اماني كل عربي سوري في الوحدة والحياة الديمقراطية والاشتراكية البناءة. ومهما اختلفت وجهات النظر، ومهما قيل في تفسير الأحداث وتأويل الحقائق، فإننا نحمد الله على ان الاختلاف كان من أجل الوصول الى مثل عليا رفعنا بها الرأس عاليا في الحاضر وسنرفعه عاليا في المستقبل لأن اقدار التاريخ وضعت على كاهل العربي في سورية، ان يحمل المثل العليا لثمانين مليون عربي غير هياب ولا آبه بما تحمل هذه المثل من تبعات وصعاب وعقبات ومهالك، وسنبقى فخورين معتزين بالتضحيات التي بذلناها والتي سنبذلها من أجل تحقيق هذه المثل لأنفسنا وللعرب قاطبة. لأن وجودنا مرتبط بهذه المثل ومنها غذاء كياننا، واستمرار تطورنا وتقدمنا.
على هذه المبادىء والمفاهيم التي غدت واضحة في الأذهان والضمائر، لأنها تنبع بالواقع من شعور الشعب وإرادته، ترجمت قيادة الجيش السوري العربي في بيانها الذي اعلنته يوم أمس شعور الشعب بهذه المبادىء، ورغبته الملحة في رسم الخطط الواضحة والطرق الناجعة لتنفيذها ووضعها قيد الحياة والنمو والتطور السريع. وأرادت القيادة العامة للجيش بالبيان الذي استقر عليه الرأي، وانعقدت حوله السواعد ان تضع على عاتقي مسؤولية كبرى في تنظيم الكيان الوطني، وتوطيد أسباب الإستقرار المنشود.
كذلك وفي الوقت نفسه تقدم الي اكثرية السادة النواب بإستقالاتهم من المجلس التأسيسي والنيابي وفوضوني بإختيار حكومة انتقالية تتمتع معي بحق التنظيم والتشريع وارساء الأسس الديمقراطية لحياتنا المقبلة.
وعلى ذلك فإنني ارجو بالعمل الصادق المنزه، أن أؤدي الأمانة المنوطة بعنقي ممكنا بذلك جيشنا الباسل من تنفيذ اجماع وحداته وعناصره بالابتعاد عن الحكم والسياسة ليدافع عن الحمى ويذود عن الحدود، ويضمن سلامة الوطن بأرضه وأهدافه، شاكرا لجيشنا الباسل ولقيادته الساهرة، اجماع وحداته على هذه السياسة الحكيمة وترجمته ارادة الشعب واهدافه القومية والاجتماعية والسياسية بوضوح وإخلاص. كما اشكر السادة النواب الذين قدروا الواقع بحقيقته، فدفعهم اخلاصهم لسلامة هذه الأرض العربية ووحدة شعبها الى ان يقفوا الموقف الذي يصون مصلحة البلاد العليا.
مواطني الأعزاء
في هذه المرحلة الجديدة التي نبدأها اليوم متعاونين متكاتفين، امام اهداف واضحة، فإن كل الذي استطيع أن أؤكده لكم انني والحكومة التي تتألف للفترة الإنتقالية، سنبذل كل ما في وسعنا من مجهود ممكن لإرساء حياة دستورية ديمقراطية سليمة. ومباشرة العمل من اجل الوحدة مع البلاد العربية مبتدئين بمصر العزيزة على أسس واضحة مستمدة من التجارب وتكفل لسورية كيانها وكرامتها وتكفل لها الحياة والنمو واستقطاب البلاد العربية الأخرى، كل ذلك ببيان واضح واستقامة واسس تطرح للتصويت في استفتاء شعبي حر نزيه، ولن نسلك في هذه السبيل الأساليب الغامضة او الملتوية وسيكون رائدنا الايمان والصدق والصراحة.
ولا يخامرني اي شك في ان مبادىء العدالة الاجتماعية والاشتراكية البناءة التي تتناسب مع اوضاعنا الاقتصادية في المدينة والريف على السواء، هي المبادىء التي يجب ان تسود في سبيل الالتقاء بحكم عادل رشيد تتحقق به مصالح المواطنين بأكثريتهم العظمى بعيدا عن التنازع الطبقي وعن الاستغلال وتحكم الإحتكار والمصالح الخاصة. وانه لجدير بي ان اكرر ما سبق ان قلته غداة انتخابي لرئاسة الجمهورية من ان كل سياسة اجتماعية واقتصادية لا تستهدف في المقام الأول معالجة مشكلة المواطن الفرد من أبناء هذا الشعب العربي في غذائه وكسائه ومسكنه وصحته وتعليمه وتعليم أولاده وطرح شبح البطالة عنه وتأمين مستقبله لا يمكن ان تكون سياسة مثمرة مهما تكن واجهتها الظاهرة، ولا يمكن ان توطد في نفوس ابناء الشعب ثقتهم بولاة أمورهم.
ومن اجل ذلك وبعض ذلك، ستقوم الحكومة الإنتقالية بمعرفة الخبراء، وفي أقرب وقت ممكن النظر في قوانين التأميم والإصلاح الزراعي، وفي مدة لا تفسح المجال لبلبلة الوضع الاقتصادي. كذلك ستمضي الحكومة الانتقالية بما أمكن من سرعة بإتخاذ التشريعات اللازمة لتأمين الحريات العامة وتنظيمها وتمكين الأفراد من ممارسة هذه الحريات في حدود المصلحة القومية، وستهيء الحكومة ما يلزم لوضع دستور يأتلف مع أوضاعنا وأمانينا ويعرض على الرأي العام ليناقشه بكل حرية وطمأنينة ثم يطرح للإستفتاء ليرى الشعب رأيه فيه. كما أنه ستجري انتخابات حرة نزيهة توصل الى مقاعد النيابة من يثق الشعب بأخلاقهم وكفاءتهم واخلاصهم لتحقيق أهدافها وآمالها، وفي خلال هذه الفترة ستسهر الحكومة على ضمان حرية الفرد وطمأنينته فلا يفلت مذنب من عقاب، ولا يصار بريء بحريته وأمنه، وسيكون توضيح الخطط العملية السريعة الموصلة الى هذه الأهداف، من أول مهام الحكومة الانتقالية في بيانها الى الشعب وهو البيان الذي تضع فيه خطط سيرها ومنهاج عملها.
وإنني لآمل أن اوفق لتأليف حكومة انتقالية قوية نزيهة حازمة في تطبيق القانون، واجتثاث الفساد أيا كان مصدره وفاعله، ساهرة على حفظ النظام وسيادة العدل، واضعة نفسها في خدمة المصلحة العليا قبل كل شيء وفوق كل هدف.
ولست آتيا بجديد اذا أكدت أن تجارب الماضي دفعت جميع الاتجاهات في بلادنا الى تقرير سياسة عدم الانحياز في المعترك الدولي المتلاطم من أجل تجنيب بلادنا ويلات الصراع بين الدول ولقناعتنا بأن هذه السياسة هي دعم للسلام العالمي ولأمنه، كما هي سبيلنا أيضا الى تحقيق أعز الأهداف واجتياز المراحل السريعة نحو الكيان العربي الموحد.
وغني عن البيان ان سياستنا الخارجية بوجه عام انما تستمد مبادئها من ميثاق الأمم المتحدة الذي وجد لتنظيم العلاقات بين جميع الدول الأعضاء في المنظمة الواحدة دون تفريق او تمييز مستهدفين أبدا مصلحتنا القومية واقتصادياتنا السليمة.
ان جميع هذه المثل العليا، والأهداف القومية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية أيها المواطنون الأعزاء، لا يمكن السير في سبيل تحقيقها بدون استقرار مرتكز على وحدة الكلمة وتجاوب مختلف السلطات مع الشعب، ونبذ الشكوك والأوهام. لأنكم تعلمون أن أساس المخطط الصهيوني في البلاد العربية هو إثارة الشكوك والريب بين الأشخاص والهيئات حتى تضيع أوقاتها في الدفاع عن نفسها، ورد التهم الموجهة اليها، فتنصرف عن الإنتاج المثمر والتطور المستمر في ميادين الاقتصاد والعمران والثقافة والدفاع والانتاج، وتقف من قضاياها الحيوية مجمدة النشاط مغلولة الأيدي.
وأخيرا، مواطني الأعزاء، فمثلما دعوت نفسي الى تلبية نداء الواجب والضمير، وأنا واحد منكم، ومواطن مثلكم، أدعو كل فرد منكم في هذا الوطن الى تلبية هذا النداء، والى الصدق في أداء فروضه وملزماته، كل ضمن حدود عمله ونشاطه. والله العلي القدير نسأل أن يرعانا بعنايته ويسدد خطانا في سبيل مرضاته، ويلهمنا طريق الحق والرشاد. انه سميع مجيب. والســلام عليكم ورحمـــة الله وبركاتــــه
١٩٦٢/٠٤/١٤
خطاب رئيس الجمهورية العربية السورية الدكتور ناظم القدسي بعد عودته عن الاستقالة ١٤-٤-١٩٦٢ ونشر في ١٥-٤-١٩٦٢