خطــاب الدكتور ناظم القدسي عن حرب اليمـن عام 1962م
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بســــم اللــه الرحمــــن الرحـــــيم
أيها الأخوة
تطالع العرب، كل صباح ومساء، أخبار الدم العربي المراق على أرض اليمن الخيرة، وما من عربي يستمع الى هذه الأخبار، مهما كانت وجهة نظره، في الأحداث الخطيرة التي تجري فوق أرض عربية، إلا أن يتألم ويحزن حين يعلم ان العرب يقتتلون فيما بينهم، ويقتل بعضهم البعض الآخر بسلاح حصلوا عليه بعرق الجبين وكد اليمين، ودفعوا ثمنه غاليا للبلاد الأجنبية التي تنتج الأسلحة وتبيعها، وتكبدوا في سبيل التسلح ارهاقا وحرمانا، إبطاء في تطورهم الاقتصادي، وانماء الثروة القومية، في سبيل اهداف اسمى واعز من المنافع المادية، والاقتصادية العاجلة وهي الحفاظ على الاستقلال والحرية، واسترجاع الأرض العربية السليبة، والعمل من أجل عزة العرب ووحدتهم.
وليس بخاف على احد واقع العالم العربي، والخلافات القائمة بين بعض حكامه لظروف وعوامل لا مجال الآن لتوضيحها، بالتخطئة او التصويب، كما لا مجال للإشارة الى البادىء بها او البريء منها، لأن الساعات الحرجة التي نمر بها تفرض علينا فرضا ان نتعالى عن جميع هذه الاعتبارات وان نفكر تفكيرا جديا بطريقة تدفع عنا استفحال اراقة الدماء في اليمن الشقيقة، حتى لا يتطور الأمر الى مضاعفات لا قبل لأي قطر عربي مهما كان شأنه لتلافيها او تجنب أخطائها.
نحن نعلم جميعا، ايها الأخوة، أن موقع اليمن الستراتيجي وامكان سيطرته على باب المندب، طريق المرور من البحر الأحمر الى المحيط الهندي، وما لهذا الطريق ولموقع اليمن الجغرافي من اتصال وثيق بطرق المواصلات الجوية والبحرية بين افريقيا والقارات الأخرى، وما للدول الكبرى من مصالح واهداف متفرقة في انحاء العالم، وما للستراتيجية الحديثة من اهداف في الخليج العربي وبتروله الغزير، كل ذلك يجعلنا على شبه اليقين بأن اعداء العرب لن يتركوا مناسبة اقتتالهم دون التمكين لمواقعهم المغتصبة على الأرض العربية وتحصينها بإحتلال ظاهر أو نفوذ مستتر لا سيما وان الظروف الدولية المتوترة تجعل الفرصة مغرية للصهيونية وأعداء العروبة ينتهزونها على حساب الأمة العربية ومصلحتها القومية العليا.
لقد حما الله بلاد العرب مشرقا ومغربا، بخيرات وفيرة، من بترول ومعادن، ومواد أولية كلها في اساس البناء المادي للمدينة الحديثة، كذلك فقد قدر لهذا الوطن العربي ان يقوم على مجموعة من ممرات البحار، تربطه باتحاد العالم القريب والبعيد، وتقع تحت ادارته وفي حمى سيادته.
فالمرور من المتوسط الى الاطلنطي محكوم بإحدى ضفتي جبل طارق وهي في يد عربية، والمرور من المتوسط الى البحر الأحمر محكوم بقناة السويس وهي في يد عربية، والمرور من البحر الأحمر الى الاوقيانوس الهندي محكوم بباب المندب في ارض اليمن، وهو بيد عربية. ومن هذا كله يبدو واضحا ان خطوط المواصلة الآن والارتباط بين قارات آسيا وإفريقيا وأوروبا، بحرا وجوا، ذهابا وأيابا، تحت سيطرة الأمة العربية، وكل هذه الميزات والخيرات في الشرق العربي ومغربه تكون فائدة كبيرة وثمرة ثمينة لابناء الشعب العربي وللإنسانية جمعاء اذا ما اتحدنا بقوة ومضاء وعرفنا استثمارها لمصلحة الفرد العربي وحميناها بقوة واتحاد عمليين مجديين. اما اذا بقي هذا التخاذل وبقيت هذه الفرقة قائمة بين حكام العرب ومسؤوليتهم، فإن جميع هذه الخيرات وهذه الميزات الجغرافية تنقلب دافعا ومثيرا لشهوات الدول الكبرى لتعمل وتقتتل في سبيل اعادة السيطرة عليها بالقوة المادية او بالنفوذ المستتر الذي يتربص في السلم مستعدا لاعادة السلطة عليها واستغلالها لمنافع هذه الدول وحرمان الشعب العربي من ميزاتها وثمراتها. ومن يتطلع اليوم الى تحركات الأساطيل الجوية والبحرية واهتمام الدول الكبرى بما يجري في اليمن، وتفاعل ما يجري في بقية الأقطار العربية، يدرك تماما أن عوامل انتهاز الدول الكبرى للفرص باتت مشحونة بالانقضاض على ما تتمكن منه من مغانم ومنافع على حساب الأمة العربية.
فتجاه هذه الظروف كلها رأيت من واجبي كمواطن عربي وكمسؤول أن أناشد أصحاب الجلالة والفخامة والسيادة رؤساء الدول العربية الشقيقة، المغرب، الجزائر، تونس، ليبيا، السودان، لبنان، العراق، انني أناشدهم ان يبادروا الى إجراء التشاور السريع فيما بينهم بالطريقة التي يرتأونها من أجل وساطة كريمة مجردة توقف اراقة الدم العربي في اليمن الشقيقة.
ولما كانت الجمهورية العربية السورية في ظرف خاص بالنسبة لأحد الأطراف المعنية مباشرة في اليمن ولما كان هذا الظرف قد يؤثر في بلوغ هذا الهدف السامي لذلك طلبت الى الإخوة الذين كتبت اليهم ورجوتهم أن لا يقيدوا بضرورة اشراكنا في هذه الوساطة لأننا نعتبر ان حقن الدم العربي غاية أسمى وأنبل من أي اعتبار آخر.
أيها الأخوة العرب
اننا بدعوتنا الى وقف القتال بين الأهل، وحقن الدماء العربية، في أرض اليمن العزيزة، لا نقف من هذا الحدث العربي واعظين أو مرشدين أو مدعين. انما هي دعوة حق، نرسلها، بكل تجرد وتنزه وصدق، لا يدفعنا اليها رغبة في اسداء فضل، ولا يمنعنا عنها ظن بأنها ستذهب جزافا في المعركة. اننا نوجهها الى المواطنين، والى المسؤولين في مراكز القيادة والرأي في الدول العربية الشقيقة، ليتدبروا الأمر الخطير، وينظروا في مختلف احتمالاته، بأي اسلوب يختارونه من أساليب العمل والاتصال وبذل المساعي.
اننا اذ نوجه هذه الدعوة الصادقة، لا نحب أن نشير الى منشأ النزاع، واسبابه، أو إلى التحقق في من هو البادىء، ومن هو التالي، ولا في أي جانب من جوانب المسؤوليات. إنما جوهر الدعوة أن يتوقف القتال بين الاخوة وتحقن الدماء العربية فوق الأرض العربية، وبعدها لا بد أن يتكلم العقل والضمير، والمصلحة القومية العليا، عندما يرتد السيف الى غمده، وتنجو النفوس من مرارة النزاع المسلح.
وإنه لحق علينا أن نعلن مع دعوتنا هذه ان الجمهورية العربية السورية لا تبدي أي رغبة خاصة في أن تكون هي بالذات حكما أو طرفا منه في حل النزاع، وحسبها أن تبذل ما في وسعها واضعة نفسها حيث تجتمع كلمة العرب ممثلة بحكوماتها القائمين على شؤونها، على ضرورة القيام بمسعى قومي ايجابي يدرأ عن العرب توسع الفتنة الأهلية وشرورها، ويجنبهم في الوقت نفسه مفاجآت موقف عسكري دقيق، تؤدي الى خروج الأمر من يد العرب أنفسهم لحساب الأعداء والمتربصين، والحاقدين، والشامتين، وتجار الحروب.
إننا ندعو قادة الرأي والمسؤولين في الدول العربية الشقيقة الى معالجة الموقف العربي المتأزم حول اليمن الشقيقة، بما تمليه عليهم واجباتهم القومية والانسانية تجاه اخوانهم وأشقائهم، وتجاه المستقبل العربي المرهون دائما، مهما تباينت الاتجاهات والسياسات، بحكمة القيادة، ووعي الشعب. ويقيننا أن الأخوة العربية الوثيقة العرى لن تنفرط بإذن الله، مهما جارت عليها الأحقاد العابرة، وان الدم العربي لن يتحول الى ماء. وستكون الغلبة في نهاية الشوط، للعقل والحكمة، والتبصر في عواقب الأمور ازاء ما يحيط بنا جميعا من مخاطر، وما يعد لنا من مكائد، وما ينتظرنا من مطامع ضارية ونحن في غمار فتنة أهلية، تمزق شملنا، وتهدر قوانا، وتطمع في ضعفنا العدو القريب والبعيد.
وأخيرا فإن إيماننا بأن كرامة الأقطار العربية وسلامتها مرهونتان بكرامة أي قطر عربي وسلامته مهما كان شأنه وأمره، إن هذا الايمان يدفعنا الى توجيه هذا النداء المخلص آملين ان ننسى جميعا ما كان بيننا من أسواء وتنابذ في سبيل ما سيكون لنا جميعا من خير ونفع وسلامة واننا لنتمثل بالحديث النبوي الشريف (انما الأعمال بالنيات وإن لكل امرىء ما نوى) والله نسأل أن يهدينا سواء السبيل.