١٩٦٢/٠٨/٠٥
خطاب رئيس الجمهورية العربية السورية الدكتور ناظم القدسي في مدينة اللاذقية ٥-٨-١٩٦٢
خطاب الرئيس الدكتور ناظم القدسي في مدينة اللاذقية تاريخ 5/8/1962
نشرت في جريدة النصر تاريخ 6/8/1962
أيها المواطنون:
يا أبناء مدينة اللاذقية، يا أبناء صالح العلي، يا أبناء السعدون والحاج حسين.
أيها العرب الأحرار الدكتور ناظم القدسي رئيس الجمهورية يتحدث اليكم وما ان سمع الجماهير بإسم الرئيس الأول حتى تعالت الهتافات المدوية بحياته وحياة الجمهورية العربية السورية.
ووسط عاصفة من التصفيق والهتافات داما عدة دقائق وقف رئيس الجمهورية والقى الكلمة التالية:
أيها الأخوة المواطنون،،
أشكركم جميل الشكر على حفاوتكم هذه، فقد غمرتموني بلطفكم، ولا عجب لأنكم من هذا الجبل الأشم، وهذا الساحل الجميل.
انكم من أبناء الحرية، وان اول طلقة صدرت عن البلد العربي السوري ضد المستعمر الفرنسي كانت من هنا، فقد فتحتم طريق الجهاد الى هذه البلاد، وسيبقى جبلكم عبر القرون دوما شامخا واقفا ضد الطغيان وضد الإستعمار وضد الظلم من حيث أتى وأينما كان.
قلت لكم: بأنكم فتحتم طريق الجهاد لإخوانكم الأبرار والأحرار في جبل الزاوية فانتقلت ثورتكم من هنا بعد ان شغلت ستين ألف جندي فرنسي يكافحونها ليخنقوها.
وما كنتم لترهبوا الآساطيل والطائرات، وما كنتم لترهبوا الدبابات وأدوات القتل والدمار حينما لم يكن في العالم من نصير للضعيف، وليس في العالم من ينكر الظلم والجور على الشعوب الضعيفة، وليس من معين لهذه البلاد.
لم تسألوا عن نصر أو ظفر، نجاح أو فشل، بل مشيتم الى الموت حبا بالحرية والاستقلال.
وإنكم اذ فتحتم طريق الجهاد امام اخوانكم لم تفتحوه في سبيل حرية سورية، بل فتحتموه في سبيل العروبة، والعروبة اولا وآخرا.
انكم فتحتم طريق الثورات لتتتالى من هنا الى جبل الزاوية وسهول الفرات والجزيرة العربية، والى حمص وحماه والقلمون، والى سهول حوران وجبل العرب ورياض الغوطة ودمشق الخالدة، دمشق العربية ابدا.
ان التاريخ يعلمنا شيئا واحدا وهو من الشام انطلقت كلمة العرب، ومن الشام بدأت فتوحاتهم، والشام – وانتم منها- كانت وفية طيلة تاريخها القديم وستبقى وفية في الحاضر وفي المستقبل من أجل الأقطار العربية حيثما كانت، ونحن لسنا بحاجة لأن نتعلم واجبنا من أحد، ولسنا بحاجة لأن يدلنا على طريق المجد للعروبة، وذلك لسبب بسيط هو ان المسؤولين فينا ليسوا احرارا في ان يسلكوا طريقا غير هذا، فضمانة العروبة ليست في شخص او هيئة او حزب او فئة، بل هي ضمانة الشعب كله.
أيها الأخوة:
لو اعرتموني قليلا من الصمت، شاكرا لكم هذه الهتافات الصادرة عن حناجر مؤمنة. اعيروني صمتا لأتكلم اليكم عن مواضيع هي لكم، ومن صميم تفكير الشعب وآماله، وهذه المواضيع هي بنت الساعة.
أيها الأخوة المواطنون:
ان الذين يريدون ان يقرنوا الوحدة بالاشتراكية في شعبنا، هم خاطئون فنحن اشتراكيون، ونحن وحدويون، وان وحدتنا ليست مرونة بإشتراكيتنا، وأن اشتراكيتنا ليست مرهونه بوحدتنا.
ان الذي دفعنا الى طريق الاستقلال، ودفعنا الى طريق الإشتراكية والحرية والمجد هو ايماننا بالحرية، لأنه لا حرية بدون ديمقراطية ولا ديمقراطية بدون حرية.
أيها الأخوة،،
انكم ترون بعد ان دفعنا دماء غزيرة وشهداء كثرا في مختلف الجبال والسهول، في مختلف الميادين، في شوارع القرى والمدن، حيثما كان في سورية دفعنا الثمن غاليا لننال استقلالنا وقد نلنا هذا الاستقلال، واجبرنا الأجنبي على الجلاء بعد ان مهرنا الجلاء بستين الف شهيد.
وثقوا - أيها الأخوة- ان الضمانة الكبرى لهذا الشعب في اهدافه هم هؤلاء الشهداء، ودماؤهم دوما حاضرة في اذهان الشيوخ والكهول والشباب والاطفال ليقوموا كل معوج، وليقوموا كل مسؤول يحيد عن الطريق.
ومنذ الجلاء، وبعد سنتين فقط، حلت بنا نكبة فلسطين ولم ننعم بجهود وثمرات نضال شعبنا.
جاءت هذه النكبة تحل بنا وكان جيشنا ضعيفا، وعتاده لا يذكر، فأقسم على ان يحارب الصهيونية غير حاسب حسابا لتكافوء العدة والعدد، لأن تقاليده ان يموت من أجل الواجب، ظفر ام لم يظفر.
أيها الأخوة:
بعد نكبة فلسطين رأينا أنفسنا امام جهاد أكبر وتضحية أعظم فقرر هذا الشعب ان يعد جيشه من أجل تخليص الأرض المقدسة، وظل يدفع من عرق جبينه ودم قلبه المبالغ الصاعدة ليكون له جيش قوي منيع لاننا نعتقد ان لا استقلال بدون جيش، ولا شعب بدون جيش ولا جيش بدون شعب.
أيها الأخوة المواطنون:
أقول لكم: مهما قالت اجهزة الإعلام الأخرى نحن لا نرضى ان يشتم عربي على أرضنا العربية، الشتيمة سلاح الضعيف، ولستم ضعفاء لتتسلحوا بمثل هذه الأقوال، فليتسلح بها غيرنا، اما نحن هنا في هذه الأرض العربية نفرح ونغتبط بكل مجد عربي ايا كان الذي جلبه وايا كان الذي يرفعه، لأن عروبتنا تفرض علينا ذلك.
أيها الأخوة قلت لكم: أننا نبذل المال الكثير، لقد بذلنا وسنبذل ما يجب علينا لتقوية جيشنا، وليس ذلك دفاعا عن سورية وحدها - لأن سورية كان باستطاعتها أن تكف الشر عنها بدون كل هذا - وكم كلفنا دوليا ان يكون بيننا وبين اليهود حاجز، وكان ذلك يغنينا عن ان نصرف دم الشعب وماله في عتاد وذخيرة، ولكننا نعتقد اننا مسؤولين عن حدود لبنان وحدود الأردن، وحدود كل أرض عربية، ونحن لا نقول هذا كلاما معسولا، ووعودا براقة، فهذه ميزانيتنا تترجم عن وعودنا واقوالنا والأرقام والمال والعتاد.
أيها الأخوة المواطنون،،
لا اكتمكم أن وضعنا الاجتماعي ليس كما نرغب، لأن الذي نرغبه ان تكون الأكثرية في بلادنا - التي يشكلها الفلاح والعامل - قوية في كسائها موفور لها الغذاء والمسكن.
(وهنا رجا الرئيس من الجماهير تكف عن الهتافات المعادية للناصرية .. وتابع كلامه.)
أقول لكم ايها المواطنون: ان الشعب ينبغي ان يكون قويا ولا شعب قوي اذا لم يكن عامله وفلاحه - الذين يشكلون الأكثرية - أقوياء.
ان الفلاح والعامل يجب ان يتوفر لهما الغذاء الكامل والكساء الكافي والمسكن المريح، والإطمئنان على انفسهم واولادهم ومستقبلهم وعيشهم.
واننا رغم الصعوبات التي نجدها في سبيل تطوير مجتمعنا وفي سبيل القيام بواجبات الدولة نحو الفلاح والعامل، وذلك بسبب ما نضطر اليه من تسليح وعتاد للقيام بالواجب الأكبر نحو فلسطين، ولكن ذلك لم يمنعنا من ان نقوم بالمشاريع المنتجة في أول فرصة ممكنة لكي نبرهن لكم ان الاشتراكية قول وفعل وتنفيذ ومشاريع واثبات وشواهد.
ان ارضنا واسعة، وخيراتنا كثيرة، ومعادننا وفيرة، وليس عندنا أية صعوبة لكي نطور هذه الثروات في صالح الأكثرية العاملة الكادحة بدون ان يكون هناك نزاع طبقي نشغل الناس به عن الأمور المثمرة المنتجة.
أيها الأخوة المواطنون:
كما قلت في حلب – واكرر هنا – بأن الشعب السوري من الوعي الكافي ان يفرض على المسؤولين ان يعلموا ان الديمقراطية والحرية والاشتراكية مشاريع وافعال وتنفيذ.
قلت لكم ان خططنا الاجتماعية يجب ان ترى النور تنفيذا بكل حرية، وان ديمقراطيتنا افعال يتمكن الشعب بها لأن يعبر عن مختلف انطباعاته وآرائه وأفكاره في الحكم وكيف يجب ان يكون.
انا اقول لكم: ان الاستعمار لن يجد الينا منفذا، فالذين يقولون بأنهم يخشون علينا من الاستعمار، فإننا نقول لهم: قد أعطينا الاستعمار درسا خلال ربع قرن لا يفكر بعده ان يرجع الينا.
وكذلك - الدرس الذي اعطيناه للإستعمار - ليس درسا من اجل سورية العربية بل هو درس من اجل الأقطار العربية كلها، لأنه بعد جلاء سنة 1945م بدأت الجلاءات تتوالى من كل بلاد العرب، لأننا فتحنا طريق الجلاء في جميع الأقطار العربية.
ولا اقول لكم هذا منة او فضلا من هذا الشعب على اخوته الشعوب العربية، بل نقول اننا قمنا بالواجب وبأقل من الواجب، لأن العروبة تفرض علينا – اذا ما كنا نريد وحدة صحيحة من أجل العرب - ان نكون البادئين بالواجب، وان تكون الميزات لأهل الأقطار الشقيقة ولإخواننا العرب.
أيها الأخوة المواطنون
دعونا نتكلم عن محافظتكم ومشاريعها، وهذا ما يجب ان تعلموه. ان هذا الجبل فقير بموارده، وان ارضه الزراعية ليست كافية لعيشه، ونحن صممنا على ان نعالج المشكلة من اساسها، وان لا نترك الأمور تسير بالقطاعي، بل نجد حلا جذريا يعالج مشكلة العيش هنا من اجل جميع الطبقات، وان الخط الحديدي الذي بدء بالتفكير فيه وتصميمه منذ سنة 1953م سيرى النور عندكم وسيربط هذا الساحل السوري بالجزيرة العربية، وسيربطه بالعراق وسيربطه بالبلاد الأخرى وان هذه المحافظة ستنعم ان شاء الله بخيرات كثيرة، وسترون ان جميع المحاصيل من الجزيرة الخصبة، وبعد مشروع الفرات تتدفق على هذا الساحل ليرى طريقه الى التصدير.
انكم تكونون الوسيط بين العراق وبين الساحل السوري وبين الجيران وبقية البلاد الأخرى.
أيها الأخوة المواطنون،،
اريدكم ان تعلموا ان جميع هذه المشاريع في نفسية المسؤولين وفي تفكيرهم ليست لأنها مجرد مشاريع، وليست لأنها مجرد ينابيع ثروة، بل لإعتقادهم بأنها وخيراتها يجب ان تصرف من أجل الأكثرية الساحقة من ابناء هذا الشعب ولأن ارادة المسؤولين في هذا الشعب هي ان اكثريته يجب ان تكون قوية كيما يتمكن من خوض غمار المعارك الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والقومية.
اما اهدافنا القومية العربية، فهي ليست بحاجة الى إيضاح. ونحن قلنا: اننا هنا كنا دوما وسنبقى دوما طلاب وحدة، ولكن وحدة بإرادتنا ووحدة على اساس المساواة والعدل، ووحدة تمكن الأقطار العربية الأخرى بأن يدخلوا فيها، ولا تمكنهم بأن ينفروا منها. ووحدة تجعل من الشعوب العربية القليلة الموارد التي ليس لها الامكانية الكافية للتطور ان يطورها برغبتها وبطلبها وبمحض ارادتها.
واني ايها الأخوة المواطنون أقول لكم: بأننا في حاجة الى التآخي ووحدة الصف. لا من اجل هذا الذي يجعلونه اكراها لنا: بفراقيع ومفرقعات، يظنونها تعيقنا عن السير او تحولنا عن الطريق. ان المفرقعات وهذه الاساليب لا تتناسب مع قدسية الفكرة العربية.
ان الدين الاسلامي الحنيف - وهو دين يضم اربعمائة مليون من المسلمين – ورغم عظم الرسالة التي نادى بها والانسانية والشعور النبيل الذي بسطه عبر التاريخ - قال: (وادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة).
امرنا ان ندعو الى ربنا بالحكمة والموعظة الحسنة، ولكن هل هذه الوحدة المباركة المقدسة المحببة الى قلب كل عربي يجب الدعوة لها بمثل هذه الأساليب الشائنة؟.
ايها الأخوة المواطنون:
نحن نقدس حرية الفكر، ونقدس حرية الرأي، ولا نخشى احدا او فئة تقول لنا ما هو رأيها بالوحدة وبغيرها، ولكن في الطريق الصحيح لا في الطريق الملتوي ولا بالطريق المعوج.
وانا اقول لكم ايها الأخوة المواطنون ان شعبنا متفتح لجميع الافكار، ان شعبنا متفتح ليناقش اي فكرة اجتماعية او سياسية او اقتصادية بوضوح وجلاء، لأننا نثق بإيمانه وبوعيه، ولذلك لا يخيفنا ان يناقش احد بحرية الرأي في موضوع الوحدة. اما ان يلجأ الى الأساليب الملتوية، والى الأساليب التي يظنون انها ترهبنا، فنحن شعب تعودنا سماع القنابل وازيز الرصاص ودوي الطائرات والأساطيل ولن نخاف منها.
نحن نقول لإخواننا الذين يدفعونا الى هذا ويعملون هذا: ندعوكم للحكمة والموعظة الحسنة ونقول لهم: لو انكم وفقتم خلال السنين التي مضت في الوحدة لجذبتم جميع هذه الأقطار اليها بمحض ارادتها.
ان الذي يخاف علينا الآن من الرجعية العربية اقول: ان الأسلوب الذي اتبع هو الذي مكن الرجعية العربية من ان تتخوف من الوحدة.
أيها الأخوة المواطنون
لا نريد ان نضيع اوقاتكم واوقات هذا الشعب بالقيل والقال، ونحن على ابواب معركة في منظمة الأمم من أجل قضيتنا المقدسة، ولكني اقول لكم باختصار: اننا لن نتساهل بعد الآن مع من يعمل في الظلام ، فالظلام مريب، ولكن شدتنا ستعطي المثل لكل من يعمل في الظلام وثقوا اننا في سياستنا الخارجية لن ننتصر لفئة دون فئة ولن يكون لموضوعنا العربي ولخلافنا العربي اي تأثير على سياستنا التحررية الحيادية الغير منحازة، واننا في سياستنا واضحون كل الوضوح، والذي نتذاكر فيه مع الممثل السوفييتي نقوله للأمريكي، وما نقوله للأميركي نقوله للسوفييتي. لأننا غير منحازين وسنبقى كذلك في سبيل مصلحة المجموعة العربية كلها.
اقول لكم باختصار: ان امامنا معركة في منظمة الأمم ونحن رغم كل ما جرى وكل ما يجري في المحيط العربي نقول لاخواننا العرب جميعا بدون استثناء: يجب ان تتوحدوا من اجل معركة منظمة الأمم التي تهدف الى فرض صلح علينا، ثم عودوا بعد ذلك الى ما ترغبون. فنحن لا نستعمل هذه وسيلة ليكف عن الكلام. فنحن نرى في قضية فلسطين اقدس الأقداس فلذلك نتصافى من اجلها ومن شاء ان يرجع بعدها فليرجع ومن شاء ان يتعظ فليتعظ وليكن من الصالحين.
أيها الأخوة المواطنون
ان اهدافنا الداخلية واضحة صريحة، ونحن نريد ان ننمي ثروتنا القومية ونريد ان ننفذ مشاريعنا من اجل مصلحة المجموع والاكثرية اولا، نحن نريد ان نمكن هذا الشعب من ان يكون مطمئننا على قوت صحي ومسكن مريح ورداء وكساء دافىء، واطمئنان في الحاضر والمستقبل.
انا اقول لكم: لا خير في مسؤول اذا لم يشعر بمرارة الأب والأم والأخ وأي قريب حينما يطلب منه طفله شيئا ولا يقدر ان يعطيه اياه.
ان المسؤول الذي لا يشعر بهذه المرارة لا يمكن ان يرتضي به شعبنا حاكما له. اقول لكم من اجل اكثريتكم ومن اجل مجموعكم سنعمل، وسنبذل اجتماعيا واقتصاديا وسيرى العامل والفلاح ان هذه الوعود ستترجم الى افعال ومشاريع ومساكن واجور، وسترون ذلك بأم اعينكم رغم واجباتنا المقدسة نحو الجيش ونحو العروبة.. فسيروا في بركات الله والله يرعاكم.
،،،،والســـلام عليــكم ورحمــــة الله ،،،،
١٩٦٢/٠٨/٠٥
خطاب رئيس الجمهورية العربية السورية الدكتور ناظم القدسي في مدينة اللاذقية ٥-٨-١٩٦٢