١٩٦٢/٠٨/٠٨

خطاب رئيس الجمهورية العربية السورية الدكتور ناظم القدسي في مدينة حماه ٨-٨-١٩٦٢

 

 مقطع من فيديو الخطاب

1



خطاب الرئيس في مدينة حماه تاريخ 8/8/1962

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ايها الاخوان، ايها الاخوة المواطنون:

اشكركم على جميل حفاوتكم واستقبالكم وشعوركم الذي غمرني وملأ كل جوانحي، ولا عجب فأنتم ابناء مدينة ابي الفداء.

ايها الأخوة المواطنون:

اقول لكم: لا عجب ان تكون مدينة ابي الفداء مدينة الفداء، فمنذ اربع وثلاثين عاما في هذا البلد الطيب قامت ثوره ضد اكبر مستعمر في الأرض، ومن هذا البلد قامت فئة قليلة مؤمنة تريد ان تحارب الاستعمار غير عابئة بما سيكون. اجل هذا البلد الصغير، هذا البلد الطيب، اراد بقلة عدده ان يكافح الاستعمار بالنار والحديد ولم يأبه بالخراب والدمار.

ايها الاخوة المواطنون:

قلت لكم بأنكم ابناء مدينة ابي الفداء لا تهابون موتا ولا تحسبون حسابا، فعندما كانت فرنسا اكبر دولة على هذه الأرض قمتم انتم وبدأتم من هذا البلد الطيب ثورة عارمة بالنار والايمان، وما زلت اذكر قبل 35 عاما سنة 1925، فمنذ سنة 1925 قامت في هذا البلد ثورة من ضابط عربي اخذته النشوة والحمية، وايدتموه بشعوركم القومي فقام بجنده يحارب اكبر جيش استعماري في ذلك التاريخ. ولا ازال اذكر المدافع تدك حماه وتحصد اهلها حصدا، وهم لا يأبهون لا بنار ولا بحديد ولا بدمار. قاموا يدافعون عن قوميتهم العربية، وقد بدأتم انتم ثورتكم اللاهبة ومن هذا البلد اندلعت الشرارة فقام الوطن السوري في كل ارجائه جنوبا وشمالا، شرقا وغربا على الجبال وفي السهول وفي الوديان يكافح وينافح ويقارع من اجل حرية العرب في جميع اقطارهم وفي جميع امصارهم، لقد علمتم المستعمر انكم لا ترهبون الموت، وعلمتوه ان الموت سهل في سبيل الحرية. لقد كان الفرنسيون لا يرهبون الا الشعب السوري، وفي مقدمته بلدة حماه .. حماه هذه البلدة المجاهدة التي كافحت ودفعت من دم ابنائها مهرا غاليا للحرية. حماه التي اعطت مثلا صالحا وقدوة في الفداء ستبقى حماه، المدافعة عن العروبة في جميع اقطارها وامصارها.

لا عجب ايها الاخوة  ان تسمى هذه المدينة بمدينة ابي الفداء، فالفداء كان دوما من شيمكم، وستبقى التضحية دوما نبراسكم، وسيبقى الجهاد دوما صنعتكم في سبيل هذا البلد الطيب، وفي سبيل سورية، وفي سبيل جميع الأقطار العربية.

ايها الاخوة المواطنون:

سنحدثكم حديث الاخ الى اخوته المواطنين، انا اعلم ايها الاخوة الشعور الذي يجيش في صدوركم . . الشعور الذي يجعل دمائكم ثائرة دوما وابدا في سبيل القومية العربية وفي سبيل سورية العزيزة.

ايها الاخوة: 

كثيرا ما تتساءلون ما هي سياستنا واهدافنا القومية في هذه الظروف التي نمر بها، وهذا سؤال على كل فم وفي كل قلب وفي كل فؤاد، ولكن هذا الشعب الذي يتذكر امجاده، هذا الشعب الذي يتذكر الدماء والضحايا التي بذلها طيلة خمسة وعشرين عاما يعلم ان هذه الضحايا هي خير ضامن لما سيكون في النطاق القومي والاجتماعي.

ايها الاخوة المواطنون:

( ارجوكم ان تعيرونا صمتكم قليلا، واني اذ اشكر هتافاتكم هذه، ارجوكم ان تكونوا كما كنتم وكما ستبقون ابدا عربا في شيمكم وفي اخلاقكم وفي كلامكم وفي تسامحكم).

ايها الاخوة المواطنون :

كثيرا ما تسائل الشعب العربي في كافة اقطاره وفي كافة امصاره عما سيكون موقف سورية العربية من الأحداث التي داهمت المحيط العربي في هذه السنة. واذا تسائل الناس في جميع الاقطار العربية عن موقفنا فمن حقهم ان يتساءلوا لأنهم يعرفون ان سورية كانت في اول التاريخ مهد العروبة، وكانت دوما قبلة العرب وستبقى دوما مهد العروبة ومستقبلها. واما نحن فنجيب على هذا التساؤل بقلب مفعم بالايمان: ان سورية برهنت في الماضي وبالوقائع وبالافعال وبالتضحيات وبالاضاحي وبنكران الذات وبنسيان نفسها بأنها تعيش من اجل العروبة قبل ان تعيش من اجل شعبها البطل. . وكثيرا ما عرف الناس موقف سورية لأنهم يعلمون ان هذا الشعب هو خير ضامن لموقفها وسيرتها وسياستها في الحقل القومي وفي الحقل الاجتماعي ولأننا هنا نفكر ونعلم ولأن فلاحنا في اقصى المعمورة وعاملنا في معمله، ومزارعنا وكل افراج شعبنا يفكرون ويسألون ويعقلون ما يقال لهم وما يفعل من اجلهم، ولذلك فإن الشعب بفهمه وايمانه هو خير ضمان لكل سياسة تسلكها سورية العربية من اجل نفسها ومن اجل العروبة ومن اجل الانسانية جمعاء.

ايها الاخوة المواطنون:

كثيرا ما نسينا في سيرنا القومي في الماضي والحاضر انفسنا ونسينا مشاكلنا ونسينا ما نعاني من صعاب، لأننا نحمل الآمال والمثل العليا لثمانين مليون عربي من الجزائر ومن مراكش ومن الخليج وحتى المحيط ولأننا نعيش بهم ويعيشون بنا وسياستنا القومية واضحة صريحة: نحن كنا طلاب وحدة عربية وسنبقى طلاب وحدة عربية، ولكن هذا الشعب هو الذي يقرر الوحدة العربية . . الوحدة التي سنرتضيها بأنفسنا والوحدة التي سنقررها من اجل من نتحد معه ومن اجلنا، هي هذا الشعب الذي يعرفها ويقررها ويخططها وينفذها. ولذلك فأن سياستنا الاجتماعية والتي هي حجر الاساس في بنيان كياننا القومي وهي سياسة قائمة على ان تكون الاكثرية الساحقة من هذا الشعب هي التي تقرر هذه السياسة من اجل مصلحة الشعب بأجمعه ومن اجل مصلحتها ثانيا.

ايها الاخوة:

( وهنا توقف الرئيس وخاطب الجماهير التي تردد الهتافات بسقوط الناصرية والديكتاتورية قائلا):

ايها الاخوة المواطنون:

انا طلبت اليكم، طلبت هذا في حمص وفي حلب وفي اللاذقية وقلت لكم لا يجوز ان تشتموا عربيا على ارض عربية، ليس هذا من شيمنا ولن تكون من شيمنا، نحن نمجد العروبة ونمجد رجال العروبة ونحن نفخر بكل تقدم وبكل ازدهار وبكل مجد يكسبه اي عربي في اي قطر عربي.

 ايها الاخوة المواطنون:

قلت لكم: ان سياستنا الاجتماعية ستبقى دائما من اجل اكثرية الشعب بعماله ومزارعيه، ولكن نحن لا نعمل هذا في سبيل فئة دون اخرى، بل لأننا نعتقد ان هذه الاكثرية حينما تقوى وحينما تترفه سيظل خيرها عميما وافرا على الشعب بمجموعه. نحن لا نريد ان نبني رفاهية اكثرية على ضرر اقلية، انما نريد ان نشرك المجتمع جميعه في اصلاح المفاسد وتقديم الرفاه والازدهار من اجل اكثرية الشعب بفلاحيه وعماله، وعلى هذه الاسس ستسير سياستنا بشكل مضطرد نامي لا يتوقف، وان لنا في سورية قضايا كثيرة ولكني اقول بأنها ليست قضايا معقدة لأن الله وهبنا خيرات عميمة، خيرات فوق الارض وخيرات تحت الارض ووهبنا اكثر من هذا وذاك وهبنا شعبا نيرا فهيما متفتحا يعقل ويدرك ويشعر ويخطط ويسأل، وانا بنعمة الله نعيش في شعب يسألنا عن الخطأ ويحاسبنا على الخطأ وهذه نعمة كبرى لأن شعبنا يحاسب مسؤوليه عن الأخطاء ويسأل مسؤولية عن الخطط ويفكر معهم ويهديهم ويعاونهم ويتكاتف معهم، شعب لا يخشى عليه لا من استبداد ولا من ديكتاتورية.

وقد مررنا في هذه السنوات العشر الاخيرة بتجارب قاسية مريرة، ولكن الشعب والجيش اثبتا في كل الادوار انهما لن يمكنا فردا عسكريا او مدنيا ان يحكم الشعب بإرادته. وقد اثبت الشعب والجيش خلال السنوات العشر بأنهما قهرا الديكتاتوريين وقال لهم: ليست هذه البلاد بلادكم وليس هذا الشعب بخاضع لكم ولا لغيركم. وان بلدا مثل هذا البلد الصغير وقبل خمس وثلاثين عاما يقوم ويثور على الظلم ويكافح المدافع ولا يأبه بالطائرات ولا يأبه بالدبابات ولا يأبه بأدوات الدمار، لا يمكن إلا ان يثور من اجل الكرامة ومن اجل العزة ولا يرغب الا ان يدفع الظلم مهما كان الثمن، ومهما كانت النتيجة، هو شعب حري بأن يعيش تحت الشمس معززا مكرما قويا قادرا على ان يحقق لنفسه حاضره ومستقبله.

ايها الاخوة المواطنون:

ان سياستنا الاجتماعية تهدف اول ما تهدف الى ان نوفر للاكثرية الساحقة من ابناء هذا الشعب غذاء قويا ومسكنا مريحا ولباسا كافيا. وقبل كل شيء امنا من مخاوف البطالة ومن مخاوف المرض ومن مخاوف الحاضر ومن مخاوف المستقبل.

ايها الاخوة:

قلت لكم واعيد الآن: نحن نحتاج الى مسؤولين عن شعبنا، مسؤولين يشعرون بشعور الأب والأم والأخ والولد حينما يطالبهم من يعيلونه بالشيء الضروري ولا يجد هذا الشيء الضروري. اذا شعر هذا المسؤول بهذه المرارة هانت عليه التضحية وهان عليه الكفاح والجهاد من اجل ايصالكم الى مثلنا الاجتماعية التي ننشدها لكم ولغيركم من البلاد العربية.

ايها الاخوة المواطنون:

واما السياسة القومية والسياسة الاجتماعية وان كانتا تتمشيان جنبا الى جنب، ولكنهما مرهونان بهذا الذي يجثم في قلب البلاد العربية الا وهو اسرائيل.

ان جميع ما نفعل وجميع ما نخطط، وجميع ما نبني، وجميع ما نشرع، هو تحت رحمة هذا الكابوس اذا لم نقو جيشنا للدفاع عن مكاسبنا وعما نبنيه . .

واخيرا لتخليص فلسطيننا العزيزة من برائن الغاصبين . .

ايها الاخوة المواطنون:

تعلمون ان هذا الشعب الصغير.. الصغير في عدده الكبير بقلبه، القوي في ايمانه، ينفق اكثر من نصف ميزانيته في سبيل عتاد وذخيرة وتجهيز جيشه. . ولماذا يفعل هذا؟ لا يفعل هذا خوفا من اسرائيل على سورية العزيزة، ولكن يفعل هذا من اجل واجب قومي نرى انفسنا ملزمين به هو ان ندافع عن جيراننا ملزمين بأن ندافع عن الارض العربية حيث ما اعتدى عليها، وانى كان  المعتدي عليها . . وذلك لأننا نتمثل بقول الشاعر:

تعيرنا انا قليل عديدنا                      فقلت لها ان الكرام قليل

          وما ضرنا انا قليل وجارنا                 عزيز وجار الاكثرين ذليل

وسنبقى ايها الاخوة نصرف ونبذل من دمنا في سبيل جيشنا، لأن هذا الجيش رهن دمه للدفاع عنا لأنه منا ونحن منه، لا جيش بدون شعب ولا شعب بدون جيش .

وان قضية فلسطين تجتاز الآن مرحلة خطيرة تمر بها، وان الصهيونية العالمية كانت تشتغل منذ سنين عديدة لتفرض علينا صلحا بالتفاوض، وقد جربت هذا في منظمة الامم في العام الماضي ولكنها فشلت فلم يحرز اقتراحها الاصوات اللازمة، ونقصها عشرة اصوات وبذلك دابت في هذه السنة تعمل بين الدول الافريقية . . كيما يؤويدوها ويفرضوا علينا التفاوض للصلح. 

ايها الاخوة المؤمنون:

كما كافحنا في الماضي من اجل حريتنا بغير حساب لنصراو خسارة وبغير حساب لربح او موت، وكذلك لن نخشاها ولن نفاوض اسرائيل .. مهما كان الثمن، ومهما كانت التضحية ...

ان حماه بلدكم الطيب، انها بحاجة الى مشاريع كثيرة لأنكم بلد زراعي قاس من قحط السنين الماضية الشيء الكثير، وان الصناعة في هذا البلد ليست بالكفاية المطلوبه لكي تمحق البطالة وتطردها.. ومن واجب المسؤولين ومن حقكم عليهم ان يوجدوا صناعات لكم تؤمن لليد العاملة الطيبة عملا شريفا ورزقا حلالا وتطرد البطالة من بين صفوفكم. 

واني اقول لكم: اننا نعدكم هذا الوعد ونأمل ونرجو من الله ان يعيننا على تحقيقه.

ايها الاخوة المواطنون:

رأيتم في الماضي ومنذ سنة 1956 بأن المسؤولين خططوا مشروع الغاب وعملوا له . . هذا المشروع الذي كان يعد خيالا، واصبح حقيقة واقعة يروي لكم خمسا وسبعين الف هكتار، وهو قادر على ان يعيش ما ينيف على شبعين الف فرد عيشا كريما حرا.

ايها الاخوة المواطنون:

في هذا البلد الطيب. . وبأسم الشهداء الذين دفعتموهم الى الموت في سبيل النصر ارجوكم انتتآخوا وان تتصافوا، وان تعملوا، ان الوحدة الوطنية مفيدة لكم جميعا، مهما كانت اتجاهاتكم ومهما كانت احزابكم، ومهما كان سيركم العام . . وان الوحدة الوطنية في هذه الظروف وفي كل ظرف نافعة لكم اولا . . ونافعة لسورية ثانيا . . ونافعة لجميع البلاد العربية فآمل منكم ان تمشوا الى بعضكم بعضا مشية الأخ المؤمن بأخيه، مشية العربي الواثق من أخيه، مشية الرجل الذي يطلب لأخيه ما يطلبه لنفسه، وهذه شيمة تاريخية عرفها العرب في مختلف ادوارهم، في المحن والشدائد في الرخاء والصفاء.

وهذا الذي قلته لكم سياسة قومية واضحة ومطلب للوحدة، نحن احرار بتحقيقه وارتضائه وسياسة اجتماعية في سبيل الكثرة الساحقة، وفي سبيل مجموع الشعب، وجهاد لا يكل ولا يمل من اجل فلسطين وفي سبيل وحدة وطنية كاملة. ستودعكم الله...

والسلام عليكــــم ورحمــــة الله وبركاتــــه . . .

عرض النص إخفاء النص

١٩٦٢/٠٨/٠٨

خطاب رئيس الجمهورية العربية السورية الدكتور ناظم القدسي في مدينة حماه ٨-٨-١٩٦٢

 

 مقطع من فيديو الخطاب

عرض النص إخفاء النص

خطاب رئيس الجمهورية العربية السورية الدكتور ناظم القدسي في مدينة حماه ٨-٨-١٩٦٢

1