خطاب أسبوع العلم في عام 1962م
مواطني الأعزاء
انها لمناسبة كريمة أن تشهد دمشق اجتماع علماء الجمهورية العربية السورية في أسبوع العلم، وأن ألتقي مع هذه النخبة المختارة من رجال الفكر، وقد جاؤوا يتدارسون التطور السريع الذي حققه العلم، عارضين ما قاموا به من بحوث ودراسات، مخططين على هديها مستقبلا افضل للعلم في بلاد العرب، ومشاركين في المجهود الحضاري العلمي لخير البشرية قاطبة.
ولئن كنا اليوم نتغنى بما حققه العلم من تطور، وما سجله من انتصارات باهرة فأن من حق التاريخ، ومن حق الأمة العربية، ان نذكر تلك العصور الذهبية التي مرت بها وأن نفخر بالكثير مما أسهمت به حضارتنا العريقة في مختلف ميادين العلوم، وأن نقرر مع الباحثين المنصفين، ان تلك الحضارة كانت رافدا أساسيا لتيار النهضة الأوروبية، الذي وجد نفسه ابتداء من القرن الثاني عشر يستقي من الموارد العربية، وينطلق منها الى نهضة علمية تحمل في صميمها بذور الثقافة العربية السائدة حينذاك في المشرق والمغرب.
إن حضارتنا العربية اعتمدت منذ انتشارها على مبادىء هادية من تعاليم القرآن الكريم، والخلق القويم، والفكر المستنير. وهناك عشرات الآيات البينات التي حضت على التأمل في خلق الكون، وتقدير القيم العقلية والروحية، ووصفت حركات الفلك وتكوين الإنسان ودعت الى التفكير والتبصر الحر في قدرة الخالق والإفادة من العقل في مختلف مجالات الحياة الفردية والاجتماعية، وفي أحضان هذه الحضارة الحرة تعرف العالم على طلائع الرياضيين والفيزيائيين والكيميائيين، أمثال الخوارزمي وابن الهيثم والفارابي وابن سينا وابن رشد والبيروني والكندي وغيرهم من علماء العرب وفلاسفتهم.
واليوم، ومع مؤتمركم هذا في أسبوع العلم، يجدر بنا جميعا ان نعتبر تجمعكم ونشاطكم استمرارا للرسالة العربية في الدرس والبحث والابداع والانتاج، وأن نذكر انفسنا كمسؤولين ونذكركم كعلماء بواجبات الرسالة العلمية، نخدمها معا بصدق وتجرد وننقلها للأجيال العربية الصاعدة.
أيها السيدات والسادة
لقد عرف الإنسان خلال القرن الأخير، وعلى الأخص في السنوات القليلة التي عقبت الحرب العالمية الثانية، تطورا مذهلا في شتى ميادين العلم والحياة، وفي مختلف الشؤون والمرافق. فبرزت امكانيات جديدة، وطاقات واسعة، لا حدود لفوائدها وآفاق استعمالها، وبينما تتطور وسائل العلم بالإكتشاف والإختراع، لتصبح سبيلا الى تضخيم اجهزة الحروب والدمــار، تتركـز آمال البشرية عن طريق رجال الفكر والإصلاح، والعلماء، في ان تغدو مكاسب العلم وانتصاراته الرائعة سبيلا الى تحسين الانتاج، وتعميم الرخاء، وانقاذ البشرية من ويلات الجوع والمرض التي كانت وما زالت تهدد حياة الملايين، وتشوه جلال الحضارة وجمالها.
وإن يكن من اولى واجباتنا، في هذه الأرض العربية، ذات التراث الحضاري العظيم، أن ننهض بتفكيرنا وبعلمنا عقلا ويدا، تصميما وتنفيذا، الى المستوى اللآئق الذي تحتله الشعوب المتطورة في عصر الذرة وغزو الفضاء، فإننا بوصفنا ورثة الحضارة العربية البناءة التي نهضت على أسس وطيدة من العلم والاخلاق فانتشرت في آسيا وأفريقيا وأوروبا، ازدهارا ورخاء وعدلا ورحمة، لا ننسى أن العلم لا يجوز ان يسخر للأذى والدمار، وان فضائل الحضارة الآلية لا يمكن ان تنحرف عن اغراضها الأساسية ليستمر تحكم الأقوياء بالضعفاء، وليحولوا بقوتهم وعلمهم دون اخذ الشعوب باسباب التقدم والرقي، والافادة من مكاسب العلم والمساهمة في إرساء معاني الحق والخير والسلام. ونحن امة عربية طالما ناضلت في جميع اقطارها، وضحت في سبيل حريتها ورخائها وعزتها وكرامتها، ولطالما اقترن جهادها من اجل الحرية بأسمى المبادىء الإنسانية التي تجعل من الحرية سبيلا الى الاستقرار والرخاء والعدل. ونحن أمة لها في العلم روادها، ولها في الأخلاق والسيرة المثالية علماؤها ومصلحوها وقادتها. وإنه لمن طبيعة التراث الذي نعيش في ظلاله، ومن طبيعة المستقبل الحر الكريم الذي نطمح اليه، ما يمكننا من الإسهام في الحركات العلمية إسهاما إيجابيا مثمرا خيرا، والإفادة من تطور العلم في خدمة اغراض السلم، وتحقيق الأهداف السامية والمثل العليا.
ايها السادة
لست اذكركم بجديد، لمناسبة اسبوع العلم الذي تقيمونه في هذه العاصمة العربية، اذا القيت على اسماعكم ان هدفنا من اقامة مجتمع صالح في ربوع هذا الوطن العربي لا يتحقق الا بتأمين العيش الكريم والمستوى الحياتي اللائق لكل فرد من افراد هذا الوطن، بادئين بالجماعات التي تؤلف اكثرية الشعب العظمى والتي يجب ان نوليها من علمنا واختصاصنا وتخطيطنا وحسن ادارتنا وصدق عزيمتنا كل عناية، ونفتح لها ابواب العمل والانتاج وكسب العيش الكريم وبلوغ المستوى الانساني اللائق.
وفي سبيل ذلك، علينا ان نحشد كل الامكانيات والمواهب والاختصاصات لزيادة انتاجنا واستثمار خيرات ارضنا ومواردنا الأولية، مما انعمت به علينا طبيعة خيرة، وأرض سخية، ومهما يكن للجهد الفردي في بلادنا من فضل في تطوير الزراعة والصناعة والعمل ووسائل الانتاج، فإن تنفيذ الخطط والمناهج الواسعة التي يعم المواطنين خيرها وارزاقها، لا يمكن ان نعتمد فيه على الجهد الفردي وحده ونحمله اعباء التجارب وتكاليفها، او على الارتجال المتروك للتطور البطيء. ولا بد من اجل ذلك ان نلجأ الى التخطيط العلمي المدروس، والتنهيج العملي الملائم لطبيعة ارضنا وحاجاتنا، مستنيرين ابدا بتجاربنا وبتجارب سوانا ممن تقدمنا على السواء.
كذلك فإن التخطيط المدروس لن يكون مثمرا وناجحا من حيث شمول فوائده وتعميم انتاجه، إلا اذا قام على سواعد علمائنا وخبرة اختصاصيينا واستمر في اشرافهم وادارتهم وتطور في ظل عنايتهم واخلاصهم وسهرهم الدائم وشعورهم بمسؤولياتهم الكبيرة الملقاة على عواتقهم تجاه مواطنيهم ووطنهم وامتهم.
وبهذا فإننا نريد للعلماء والخبراء وأهل الاختصاص ان يمدوا علومهم ونظرياتهم ومكاسب خبراتهم من الحقول النظرية الى الحقول العملية الواقعية التي تقوم فيها حاجات شعب ومطالب امة وضروروات تطور عملي فعال. اذ بقدر ما يكون لهم من رأي وتوجيه ومسؤوليات مباشرة في وضع سياسة الدولة موضع التنفيذ، بقدر ما تكون هذه السياسة مثمرة في مجالات الانتاج من حيث اختصارها الزمن ومن حيث توفيرها على الدولة كثيرا من الجهود المضيعة والاموال المهدوره.
فمن واجب الدولة ازاء هذه المهمات الكبيرة، ان تيسر للعلماء امكانيات البحث والدرس والتنقيب والاختراع وعلى العلماء ان يتفرغوا ويعملوا للرسالة العلمية السامية.
ايها السادة العلماء
هذه هي كلمتنا في افتتاح أسبوع العلم، وهذه هي آمالنا المعقودة عليكم، أنتم رجال العلم. وانني لكبير الثقة في درايتكم واخلاصكم وحماستكم لخدمة الوطن الذي يفاخر بقياداته الفكرية والعلمية والادبية. وانني اذ افتتح مؤتمركم هذا، أرجو أن تقترن أعمالكم بالنجاح وان تلتقوا وزملاؤكم علماء الوطن العربي والانسانية خير لقاء على صعيد الفكر المبدع، والعمل الايجابي البناء، فتساهموا بالتعاون والتآزر في تحقيق ما يصبو اليه المواطنون في جميع أرجاء البلاد العربية، من رخاء وازدهار وعزة وكرامة.
وفقكم اللـــــــه، والســلام عليكــم ورحمــة اللــه وبركاتـــه